الاستثمار في سوريا.. شهادة ثقة بمستقبل الدولة السورية

0 42

عندما تتجه أنظار المستثمرين نحو دولة خرجت لتوها من سنوات طويلة من الحرب، فإن الخبر الحقيقي لا يكون حجم الاستثمارات، مهما بلغت مليارات الدولارات، بل الرسالة السياسية والاقتصادية التي يحملها هذا التحول.

فالاستثمار بطبيعته لا يعرف المجاملات، ولا تحكمه العواطف أو الأمنيات، وإنما تحكمه لغة المصالح وحسابات المخاطر.

ولذلك، فإن الحديث اليوم عن مشاريع واستثمارات كبرى في سوريا لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبراً اقتصادياً عابراً، بل باعتباره مؤشراً على أن البلاد بدأت تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.

لقد اعتاد السوريون، طوال عقود، أن تكون أخبار بلادهم مرتبطة بالحروب والأزمات والعقوبات والانهيار الاقتصادي والهجرة، حتى أصبح الحديث عن الاستثمار أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع.

أما اليوم، فإن المشهد بدأ يتغير تدريجياً، فالتقارير التي تتحدث عن مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وعن اهتمام عربي ودولي بالمساهمة في إعادة الإعمار، تعني أن هناك من بدأ ينظر إلى سوريا بوصفها فرصة للمستقبل، لا مجرد ساحة صراع.

وهنا يجب التوقف عند حقيقة كثيراً ما يغفل عنها بعضهم، وهي أن رأس المال هو أكثر الكيانات حذراً في العالم، فالمستثمر قد يجامل في تصريح صحفي، وقد يطلق كلمات دبلوماسية، لكنه لا يغامر بمليارات الدولارات إذا لم يقتنع بأن البيئة السياسية والأمنية تسير في الاتجاه الصحيح.

ولهذا فإن أي استثمار كبير يدخل إلى سوريا اليوم يمثل، قبل أن يكون مشروعاً اقتصادياً، شهادة ثقة بمستقبل الدولة السورية وقدرتها على استعادة الاستقرار.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما بالإنتاج والعمل والمؤسسات.

فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا الغربية مدمرة إلى حد أن كثيرين اعتقدوا أنها ستحتاج عشرات السنين لتتعافى، لكنها حققت ما عرف لاحقاً بـ ”المعجزة الاقتصادية الألمانية”، لتصبح خلال أقل من ثلاثة عقود إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.

واليابان خرجت من الحرب بمدن مدمرة واقتصاد منهار، لكنها أعادت بناء نفسها حتى أصبحت رمزاً للتقدم الصناعي والتكنولوجي.

وفي العقود الأخيرة، قدمت رواندا نموذجاً ملهماً بعدما انتقلت من الإبادة الجماعية عام 1994 إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في إفريقيا، بفضل الأمن والإدارة الرشيدة ومحاربة الفساد.

وفي منطقتنا العربية، استطاعت دولة الإمارات أن تبني واحدة من أكثر البيئات الاستثمارية جذباً في العالم، لأنها أدركت أن الثروة الحقيقية لا تكمن في الموارد الطبيعية وحدها، بل في استقرار الدولة، وكفاءة مؤسساتها، وسهولة ممارسة الأعمال.

كما تمضي المملكة العربية السعودية بخطى واسعة في تنفيذ رؤية 2030، مستهدفة تنويع اقتصادها وجذب مئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات المحلية والأجنبية.

والقاسم المشترك بين جميع هذه التجارب هو أن الأمن لم يكن غاية بحد ذاته، وإنما كان الأساس الذي قامت عليه التنمية والازدهار.

وهنا تكمن أهمية المرحلة التي تعيشها سوريا اليوم. فالاستقرار ليس إنجازاً سياسياً فقط، بل هو الشرط الأول لعودة عجلة الاقتصاد، فلا مصنع يمكن أن يعمل بلا كهرباء، ولا شركة يمكن أن تستثمر إذا كانت تخشى الفوضى، ولا رؤوس أموال يمكن أن تستقر في بلد لا تثق بمستقبله.

ولذلك فإن أي مشروع في قطاع الطاقة أو الموانئ أو النقل أو الصناعة لا يوفر البنية التحتية فحسب، بل يبعث برسالة طمأنة إلى المستثمرين الآخرين بأن سوريا بدأت تستعيد مقومات الدولة الطبيعية.

ومن الإنصاف أن تُقرأ هذه المرحلة في ضوء ما سبقها.

فعلى امتداد عقود من حكم دكتاتورية آل الأسد، قامت إدارة الدولة على مركزية شديدة واحتكار للسلطة، مع تراجع تدريجي في كفاءة المؤسسات، وتفشي الفساد، وتراجع بيئة الاستثمار، حتى قبل اندلاع الحرب.

ثم جاءت سنوات الصراع لتضاعف حجم الخسائر، فدُمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتراجعت القطاعات الإنتاجية، وانخفضت قيمة العملة الوطنية، واتسعت رقعة الفقر، وغادرت البلاد أعداد كبيرة من الكفاءات والخبرات التي كان يمكن أن تسهم في نهضتها.

لقد خسر السوريون سنوات طويلة كان يمكن أن تُستثمر في التنمية، بينما كانت دول أخرى في المنطقة والعالم تبني اقتصاداتها، وتطور بنيتها التحتية، وتستقطب المستثمرين.

واليوم، وبعد أن تخلصت سوريا من حقبة الاستبداد التي حكمت البلاد لعقود، تبدو الفرصة سانحة لفتح صفحة جديدة، يكون معيار نجاحها مختلفاً تماماً عن الماضي.

فالمرحلة الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع لن تُقاس بعدد التصريحات السياسية، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وتحويل الاستقرار الأمني إلى نمو اقتصادي يشعر به المواطن في حياته اليومية.

فالسوري لا ينتظر سماع أخبار عن مليارات الدولارات فحسب، بل يريد أن يرى انعكاسها في كهرباء مستقرة، وفرص عمل حقيقية، وتحسن في مستوى الخدمات، وتعافٍ للعملة الوطنية، وعودة عجلة الإنتاج إلى الزراعة والصناعة والتجارة.

ومن المهم أيضاً أن يدرك السوريون أن المجتمع الدولي لا يضخ الاستثمارات بدافع المجاملة أو العواطف، وإنما لأنه يرى فرصاً حقيقية للاستقرار والعائد الاقتصادي.

فالمؤسسات المالية العالمية لا تمنح التمويل إلا بعد دراسات دقيقة، والشركات الكبرى لا تدخل الأسواق إلا عندما تقتنع بأن المخاطر أصبحت مقبولة.

 وهذا يعني أن الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده سوريا اليوم يعكس، في جانب مهم منه، تغيراً في النظرة إلى مستقبل الدولة السورية، وهو مكسب سياسي لا يقل أهمية عن المكاسب الاقتصادية نفسها.

لكن الحفاظ على هذه الثقة يتطلب عملاً متواصلاً.

فإعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحديداً فقط، وإنما هي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين سوريا وشركائها في العالم، وهي تتطلب إدارة كفوءة، وقضاءً مستقلاً، وإجراءات إدارية شفافة، وبيئة قانونية تحمي المستثمر وتشجع المبادرة، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الأموال قد تدخل إلى أي بلد مرة واحدة، لكنها لا تستمر إلا إذا وجدت مؤسسات قوية وعدالة واستقراراً دائماً.

إن سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وإذا أحسنت استثمارها، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تحولاً يعيد إليها مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والإقليمي، ليس باعتبارها دولة نجت من الحرب فقط، بل باعتبارها دولة استطاعت أن تحول سنوات الألم إلى بداية جديدة عنوانها البناء والتنمية.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الحروب لا تكتب نهاية الدول، وإنما تكشف قدرتها على النهوض.

وما يحدد مستقبل الشعوب ليس حجم الدمار الذي خلفته الصراعات، بل حجم الإرادة التي تمتلكها لإعادة البناء.

واليوم، تبدو سوريا أمام اختبار من نوع مختلف؛ فمعركة الأمس كانت معركة استعادة الدولة، أما معركة اليوم فهي معركة بناء الدولة.

 وإذا نجحت القيادة السورية في كسب هذا التحدي، فإن أعظم إنجاز لن يكون توقيع اتفاقية استثمار أو افتتاح مشروع جديد، بل أن يستعيد المواطن السوري ثقته بوطنه، وأن تعود سوريا، بعد عقود من العزلة والاستبداد والحرب، دولةً جاذبةً للاستثمار، وقادرةً على توفير الأمن والكرامة والازدهار لأبنائها، لأن الاستثمار في نهاية المطاف ليس مجرد أرقام في الموازنات، بل هو شهادة ثقة بمستقبل الدولة السورية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني