فتوى

0 14

– قلْها، وأرحنا يا أبا قاسم؟

– ملأ جوفه بالهواء وزفره متمهلاً، وتبسّم: عشنا أياماً خارج الزمان، أعاذكم الله من تجربتها، لا شيء يتجدد فيها. رتابة ممضة، ورطوبة تتسلق الجدارن، باب صدئ، وضوء خافت يتسلل من كوة بحجم راحة اليد قرب السقف. وجه السجان نفسه، والمعتقلون يقبعون صامتين وعيونهم شاخصة به، وأنفاسهم تتردد…، زمن يتمدد، وقلق يخيم…، وسكون يتمطى، والأفكار مشتّة، والخوف يسيطر على الجميع وهم ينتظرون حفلة جلد…، إنّه لأمر جلل. سجن في مدى لا يحده بصر عبر صحراء تعول في جنباتها ريح تثير الغبار في الأرجاء. لك أن تتخيل كيف لامرئ أن يحلم وتشتط به الأمنيات أن يخرج سليماً معافى، ويعود إلى أسرته، يداعب أطفاله، ويستقبل الأصحاب ويسمر معهم، إنها أمنية كبرى أن يخطر ذلك بالبال…

– وما الذي دفع بك إليه؟

– ذنب كبير لا يغتفر ارتكبته، لقد خرجت عن الناموس إذ خفق قلبي لشابة التقيتها في رحلة علمية لطلاب الجامعة، جمعنا فريق واحد لدراسة أفضل الطرق لاستنبات الأعشاب والنباتات الطبية، والعناية بها، وإكثارها. تعارفنا.. أعجبت بذكائها، ونشاطها، وتحليلاتها لكل ما يواجهنا من مشكلات، وبادلتني المشاعر نفسها، وتعمّقت العلاقة وتجذّرت، وفي بداية السنة الأخيرة طلبت يدها وتزوّجنا بموافقة أبويها، وعشنا سعداء إلى أن تخرجنا.

 عدنا إلى دياري وكانت المفاجأة، لم يتقبّلها الأهل، ورضوا بها على مضض، وزاد الطين بلّة عندما رآنا الشيخ “سحبان الجمّال” نخرج معاً من قدّاس وهي تتأبط ذراعي ونضحك غير آبهين.. ولا نعبأ.. فأسرع إلى أبي موبخاً “كيف ترضى وتسمح لابنك العاق بالزواج من.. وبالردة..؟”. وهيّج شباباً متطرفين أهانوني وشتموني مراراً، واعترضوا طريقنا ونحن عائدان مساء إلى البيت، فهاجمونا بالعصي، ووضعوا عصابة على عينيّ واقتادوني شبه مغمى علي إلى ذاك المنفى أو المعتقل، سمّه ما شئت. لم أكن وحيداً، فقد سبقني إليه عشرات النزلاء، تهمتهم الارتداد عن الدين، وهذه عقوبتها القتل بلا شفاعة إلّا التوبة، والرجوع إلى الصراط المستقيم، والقسم بالعودة إلى جادة الصواب مع المراقبة الشديدة والمتابعة لكل حركة لإثبات الصدق قولاً وعملاً، وعدم الحنث باليمين الذي قُطِع.

– وكيف خرجت…؟

– كنت في حيرة وصراع مع نفسي بعد كل جولة تعذيب، ومطالبتهم أن أتخلّى عن زوجتي، وكلّما تمنّعت ازدادوا في غيهم، وهددوني باغتصابها أمامي. اعتقدت أنها من ألاعيبهم، استمعت إلى صوتها وهي ترجوني أن أطلّقها، ولم أصدقهم. أسمعوني استغاثتها وهم يعتدون عليها. عَظُم عليّ.. تمنّيت الموت، ما ذنبها؟ دعوها تذهب إلى بلادها فرفضوا، وصرت تائها أدور في حمّى التشتت والضياع. هدّني السهر والتفكير بها، وبعد عدة محاولات فكّرت بالخلاص من المعاناة لكلينا، اشترطت تنفيذ طلبهم أمام القضاء وبحضورها. لم يطمئنوا… فأقسمت… وأخبروا قيادتهم، وبقيت قرابة شهر حتى جاء الرد بالموافقة. كدت أطير فرحاً، أيمكنني الخروج من عنق الزجاجة التي حبسوني بها، وتفلت هي من قبضتهم. أتوني بثياب نظيفة، اغتسلت ولبستها، وصحبوني إلى المحكمة. كانت شاحبة، ونظراتها زائغة، ولم تنبس بكلمة. سألني القاضي… فأجبت على أن تعيدوها إلى وطنها بسلام، وحكم وجاهياً بالتفريق بيننا، وتسفيرها.. وأُخلي سبيلي.

– وبعدُ…؟

– ذهبت إلى المطار، جلست في زاوية أرقب المسافرين، رأيتها برفقة رجل، تابعتها إلى أن اجتازت الحاجز الأخير، التفتت إلى الخلف فشعرت أنها تبحث عني، صمتُّ خوفاً ثم رجعت إلى صديق أثق به مبدياً رغبتي بالهجرة أو الفرار كما أشار، واصطحبني إلى رجل يعمل ما لا يستطيع أكبر موظف في الدولة فعله، رسم لي معالم جديدة لصورة جواز سفر كلّفني خمسة آلاف دولار، وكم اجتاحني رعب – حاولت إخفاءه – وأنا أتخطى العوائق إلى الطائرة، وما أيقنت أني نجوت إلّا عندما أعلن الربان: نحن الآن على وشك الوصول، يرجى شدّ الأحزمة. وعند الخروج استقبلتني نسائم رقيقة كرياحين ناعمة لامست وجنتي فتنفّست الصعداء، وانطلقتُ تحملني أجنحة الشوق إليها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني