سوريا ما بعد الأسد.. انخفاض الاعتقال لا يعني انتصار العدالة

0 40

لم تعد سوريا تعيش تحت منظومة الاعتقال الجماعي التي طبعت عقوداً من حكم نظام بشار الأسد، لكن ذلك لا يعني أن الحرية أصبحت حقيقة راسخة. فالانتقال من سقوط سلطة إلى قيام دولة قانون لا يُقاس بانخفاض أعداد المعتقلين وحده، بل بقدرة المؤسسات على حماية الإنسان من أي حرمان تعسفي من حريته، أيّاً تكن الجهة التي تمارسه.

هذا هو المعنى الأعمق الذي يحمله التقرير النصف السنوي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، والذي يوثق ما لا يقل عن 246 حالة اعتقال تعسفي واحتجاز خلال النصف الأول من عام 2026، بينهم 14 طفلاً وثلاث سيدات، مقابل 1069 حالة إفراج. وهي أرقام تعكس تحولاً مقارنة بسنوات القمع المنهجي، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن إرث الاعتقال التعسفي لم يغادر المشهد السوري بعد.

تراجع الانتهاكات… دون نهاية لها:

يرصد التقرير 36 حالة اعتقال تعسفي واحتجاز خلال الربع الثاني من العام، بينها ثلاثة أطفال، إلى جانب 557 حالة إفراج. ويعزو هذا التراجع إلى المتغيرات السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، وإلى اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية مطلع عام 2026.

لكن الشبكة تشدد على أن هذه الحصيلة تمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت من توثيقها، ما يعني أن الواقع قد يكون أوسع من الأرقام المعلنة.

الاعتقال لم يعد حكراً على سلطة واحدة:

يكشف التقرير عن مشهد أكثر تعقيداً من مرحلة ما قبل عام 2024. فقد سجلت قوات الحكومة السورية 141 حالة اعتقال واحتجاز خلال النصف الأول من العام، فيما وثقت الشبكة 61 حالة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بينها 12 طفلاً، إضافة إلى 44 حالة على يد قوات سوريا الديمقراطية.

هذه الأرقام تعكس أن التحدي لم يعد إسقاط منظومة الاستبداد القديمة فحسب، بل ترسيخ ثقافة قانونية تمنع أي سلطة، مهما كانت طبيعتها أو مبرراتها، من استخدام الحرمان من الحرية خارج الضمانات القضائية.

القنيطرة… عندما تتحول الحدود إلى مساحة مفتوحة للانتهاك:

ليست مصادفة أن تتصدر محافظة القنيطرة قائمة المحافظات في عدد حالات الاعتقال بـ53 حالة خلال النصف الأول من العام، و13 حالة خلال الربع الثاني.

فالتقرير يربط هذه الحصيلة بعمليات التوغل البري التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، وما رافقها من اعتقال مدنيين. وبذلك، لا تصبح القضية مجرد انتهاك فردي لحقوق الإنسان، بل تتصل أيضاً بانتهاك سيادة الدولة السورية وأحكام القانون الدولي.

الإفراجات… خطوة مهمة لا تُغلق الملف:

في المقابل، وثق التقرير 1069 حالة إفراج، توزعت بين 533 حالة من مراكز احتجاز الحكومة السورية، و507 حالات من مراكز احتجاز قوات سوريا الديمقراطية، و29 حالة من مراكز احتجاز قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ويعزو التقرير هذا الارتفاع إلى مراجعة ملفات المحتجزين وتنفيذ ترتيبات الإفراج المنبثقة عن اتفاق الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

غير أن الإفراج عن مئات الأشخاص لا يلغي حقيقة أن آلاف العائلات السورية ما تزال تبحث عن إجابة تتعلق بمصير أحبائها المختفين قسراً، وهي قضية تبقى معياراً حقيقياً لنجاح أي مسار للعدالة الانتقالية.

العدالة الانتقالية… بين المحاسبة وضمانات القانون:

ويفصل التقرير بين الاعتقال التعسفي وعمليات احتجاز المشتبه بتورطهم في انتهاكات خلال حكم النظام السابق، موضحاً أن هذه الحالات لا تُدرج ضمن الإحصاءات الحقوقية الخاصة بالاعتقال التعسفي، لاختلاف طبيعتها القانونية.

وفي هذا السياق، وثقت الشبكة احتجاز 96 شخصاً خلال النصف الأول من العام، بينما أعلنت وزارة الداخلية أن عدد العسكريين المحتجزين المشتبه بتورطهم في جرائم خلال العهد السابق تجاوز 3500 عسكري.

ويؤكد التقرير أن تحقيق العدالة لا يكتمل إلا إذا استند إلى المسؤولية الجنائية الفردية، وقرينة البراءة، واستقلال القضاء، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، لأن العدالة التي تُبنى خارج القانون قد تعيد إنتاج الظلم بأدوات جديدة.

خارطة طريق لطي صفحة الانتهاكات:

ولا يكتفي التقرير برصد الوقائع، بل يطرح مجموعة من الاستحقاقات أمام السلطات السورية والمجتمع الدولي، تبدأ بضمان قانونية جميع إجراءات الاحتجاز، والكشف عن مصير المختفين قسراً، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً، وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية مستقلة، والتحقيق في التعذيب وسوء المعاملة.

كما يدعو إلى دعم الإصلاح القضائي والمؤسسي، ومساندة جهود التوثيق والمساءلة، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، مع مطالبة قوات الاحتلال الإسرائيلي بوقف عمليات الاحتجاز داخل الأراضي السورية واحترام سيادة البلاد وأحكام القانون الدولي.

سوريا بين إرث الاعتقال واختبار دولة القانون الناشئة:

تكشف الأرقام أن سوريا دخلت مرحلة مختلفة، لكنها لم تبلغ بعد المرحلة التي يصبح فيها القانون المرجعية الوحيدة لعلاقة الدولة بالمواطن. فالتراجع في الاعتقال التعسفي مؤشر إيجابي، لكنه لا يكتسب معناه الكامل إلا عندما يقترن بكشف مصير المختفين، وإنصاف الضحايا، وضمان ألا تتحول الحرية مرة أخرى إلى امتياز تمنحه السلطة أو تسلبه.

ويبقى السؤال الذي سيرسم ملامح سوريا الجديدة: هل تستطيع الدولة الناشئة أن تقطع نهائياً مع إرث الاعتقال والإخفاء القسري، أم أن هذا الإرث سيواصل إعادة إنتاج نفسه بصور مختلفة، وإن كانت أقل اتساعاً؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني