السوريون في ألمانيا: عقد كامل من التحول (1-5)

0 39
من العمل التطوعي إلى مرافقة آلاف اللاجئين… كيف تشكلت خبرة المرشد التربوي بشير علي؟

لم تبدأ قصة بشير علي في ألمانيا من خلف مكتب أو داخل مؤسسة رسمية، بل بدأت من الاحتكاك المباشر مع الناس، من الأسئلة اليومية للاجئين الذين وصلوا إلى بلد جديد ويحاولون فهم لغة جديدة ونظام مختلف وحياة غير مألوفة.

فبشير علي، المرشد التربوي السوري المقيم في ألمانيا، يعمل منذ أكثر من اثني عشر عاماً في مجال مرافقة اللاجئين والمهاجرين، ومنذ سبع سنوات بشكل خاص في دعم ورعاية طلاب التدريب المهني المزدوج، حيث تحول عمله مع الوقت إلى تجربة تجمع بين المجال التربوي والاجتماعي وفهم قضايا الهجرة والاندماج.

بدأت تجربته الألمانية من خلال العمل التطوعي مع اللاجئين، قبل أن ينتقل إلى العمل الاجتماعي داخل مساكن اللاجئين، حيث رافق العديد من الأفراد والعائلات في ملفات متعددة؛ من السكن والإقامة، إلى التواصل مع السلطات، وفهم الرسائل الرسمية، والتعامل مع الإجراءات اليومية التي تشكل تحدياً كبيراً للقادمين الجدد.

وخلال عامي 2016 و2017، وفي ذروة وصول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى ألمانيا، توسع نشاطه بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان يجيب عن استفسارات اللاجئين ويساعدهم في فهم مشكلاتهم اليومية، ووصل متوسط الأشخاص الذين كان يتابع أسئلتهم عبر الماسنجر إلى نحو 1500 شخص شهرياً، الأمر الذي منحه احتكاكاً واسعاً ومباشراً مع واقع اللاجئين وتحدياتهم.

لم يقتصر عمل بشير علي على الجانب الإداري، بل امتد إلى المجال التربوي، حيث عمل في مرافقة الأطفال، وشارك في دعم واستشارة اللاجئين بالتعاون مع مكتب شؤون الأجانب ومكتب الاندماج في مدينة غيسن. كما كان عضواً في مجلس الأجانب في غيسن وممثلاً لقضايا الهجرة، وهي تجربة منحته فهماً أعمق لطريقة عمل المؤسسات المحلية، والعلاقة بين المهاجرين والإدارة الألمانية.

وفي إطار تطوير خبرته، شارك لاحقاً في تدريب عملي استمر ستة أشهر ضمن مشروع هدف إلى تأهيل اللاجئين السوريين لفهم آلية عمل الإدارة المحلية الألمانية، حيث تعرف من الداخل على طريقة عمل السلطات، وآليات معالجة الملفات، والتواصل بين الأقسام المختلفة.

كما شارك في دورة امتدت لتسعة أشهر حول عمل المنظمات، ومنها المنظمة الألمانية للتعاون الدولي، وطرق كتابة المشاريع وآليات التمويل، إضافة إلى مشاركته في دورات متعددة حول قوانين اللجوء والإقامة في ألمانيا، ما عزز الجانب القانوني والمعرفي في عمله.

ومنذ سبع سنوات، يعمل بشير علي كمرشد تربوي ومسؤول عن مشروع رعاية ومرافقة طلاب التدريب المهني المزدوج، حيث يتابع الشباب خلال مسيرتهم التعليمية والمهنية، ويساعدهم في التواصل مع المدارس المهنية، وجهات التدريب، وأرباب العمل، والسلطات.

ويتركز جزء كبير من عمله على مساعدة الطلاب في تجاوز العقبات التي قد تواجههم، سواء كانت مرتبطة باللغة، أو الدراسة، أو الإجراءات الإدارية، بهدف مساعدتهم على إكمال تدريبهم والانتقال إلى سوق العمل.

إلى جانب عمله الميداني، شارك بشير علي في ثلاثة مؤتمرات أكاديمية في جامعة غيسن حول سوريا، واللجوء، والهجرة، وسياسات الاندماج في ألمانيا. ومن بين الموضوعات التي تحدث عنها دور وسائل التواصل الاجتماعي في رحلة اللجوء، وكيف تغيرت سياسات اللجوء الألمانية وتأثير ذلك على اللاجئين من الناحية الإنسانية والسياسية.

كما أصبح له حضور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقدم محتوى توعوياً وتحليلياً حول الحياة في ألمانيا، وقوانين اللجوء والإقامة، والتدريب المهني، والدراسة، والعمل، ولمّ الشمل، والجنسية، والتعامل مع السلطات.

ويؤكد علي أن قيمة هذا المحتوى تأتي من ارتباطه بتجربة عملية طويلة، وليس فقط من المعلومات النظرية، إذ إن معظم ما يقدمه مبني على احتكاك مباشر مع أسئلة الناس ومشكلاتهم اليومية.

ومن بين القصص التي بقيت مؤثرة في ذاكرته، قصة شاب كان يعاني من مرض خطير، وسعى علي لمساعدته في ملف لمّ شمل والده رغم صعوبة وضعه القانوني. وبعد جهود طويلة، تمكن والده من القدوم إلى ألمانيا ورؤية ابنه قبل وفاته.

بالنسبة لعلي، كانت هذه التجربة مثالاً على أن المساعدة الإنسانية قد تتجاوز تقديم معلومة أو إجراء إداري، لتصبح أحياناً سبباً في تغيير حياة إنسان أو تحقيق أمنية أخيرة لعائلة.

تجمع تجربة بشير علي بين العمل التربوي، والخبرة الاجتماعية، والمعرفة الإدارية والقانونية، والنشاط المجتمعي والإعلامي. ويرى أن مساعدة الناس لا تعني فقط إعطاء إجابة سريعة، بل مرافقتهم لفهم حقوقهم وواجباتهم، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات صحيحة لبناء حياتهم داخل ألمانيا.

وفي الحلقات القادمة، نتابع معه تحولات التجربة السورية في ألمانيا: من مرحلة الوصول والنجاة، إلى بناء الهوية، والاندماج، ومستقبل جيل جديد يعيش بين ثقافتين.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني