
سوريا الجديدة أمام امتحان العدالة… هل تُبنى الثقة قبل أن يكتب الشارع قواعد المرحلة؟
حوار خاص مع المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني
بعد أكثر من عام ونصف على التحولات السياسية التي دخلتها سوريا، لا يبدو التحدي الحقيقي مرتبطاً فقط بإعادة تشكيل المؤسسات أو إدارة المرحلة الانتقالية، بل بما هو أعمق من ذلك: إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة بعد عقود طويلة حكمتها الخشية وغياب الثقة.
فالمجتمعات الخارجة من الاستبداد والنزاع لا تنتقل تلقائياً إلى مرحلة الاستقرار السياسي بمجرد تغير السلطة أو ظهور مؤسسات جديدة. فالذاكرة الجماعية تبقى حاضرة، وتجربة السنوات الماضية تستمر في التأثير على طريقة نظر المواطنين إلى القانون والعدالة وقدرة الدولة على الاستماع.
ومن هنا، لا تبدو الاحتجاجات والتحركات الشعبية التي ظهرت في سوريا خلال المرحلة الانتقالية مجرد مطالب مرتبطة بملفات معيشية أو خدمية، بل تحمل أسئلة أكبر حول طبيعة الدولة الجديدة: هل ستكون دولة تستجيب لمواطنيها؟ وهل تتحول الحقوق من نصوص وشعارات إلى ضمانات حقيقية؟
يرى المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن جوهر المرحلة لا يكمن فقط في تأسيس المؤسسات، بل في قدرة هذه المؤسسات على بناء الثقة.
ويقول:
“المجتمع الذي خرج من عقود من الاستبداد ومن أربعة عشر عاماً من النزاع لا ينتقل تلقائياً من منطق الخوف إلى منطق الثقة. الثقة المؤسسية تُبنى عبر القدرة على الإنصات، والاستجابة، والمساءلة، وحماية الحق في الاعتراض السلمي.”
الشارع بعد الخوف… حين يبحث المجتمع عن طريق إلى الدولة:
لا ينظر عبد الغني إلى عودة الاحتجاجات باعتبارها رفضاً للدولة أو محاولة لإضعاف المؤسسات، بل يراها انعكاساً طبيعياً لمجتمع عاد إليه المجال العام بعد سنوات طويلة من الإغلاق.
فالمشكلة، وفق رؤيته، ليست في وجود الصوت الشعبي، بل في غياب المسارات التي تسمح لهذا الصوت بالوصول إلى القرار.
ويقول:
“الشارع عاد بوصفه وسيلة ضغط حين اصطدم المواطنون ببطء الاستجابة المؤسسية، أو بغياب قنوات فعالة لترجمة المطالب إلى قرارات عامة.”
ويضيف أن المجتمعات الانتقالية تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من منطق الاحتجاج إلى منطق المشاركة المؤسسية.
فالاحتجاج، بحسب عبد الغني، ليس مؤشراً سلبياً بحد ذاته، بل يمكن أن يكون جزءاً من بناء الدولة عندما يجد طريقه إلى مؤسسات سياسية وقانونية قادرة على الاستجابة.
أما الخطر الحقيقي، فهو أن يصبح الشارع الوسيلة الوحيدة التي يشعر المواطن أنها قادرة على إيصال صوته.
القانون وحده لا يكفي… الدولة تُختبر بقدرتها على حماية الحقوق:
يرى عبد الغني أن الاعتراف النظري بالحقوق لا يمثل نهاية الطريق، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ عند تطبيق هذه الحقوق وحمايتها.
ويقول:
“الأهم في الحالة السورية ليس النص القانوني وحده، بل الفجوة بين الاعتراف النظري بالحقوق وبين القدرة المؤسسية على حمايتها.”
فحرية التعبير أو حق التجمع لا تصبح واقعاً إلا عندما ترافقها مؤسسات مستقلة، وقضاء قادر، وآليات واضحة لمعالجة الشكاوى والمظالم.
ويشرح:
“المؤسسة التي لا تملك استقلالاً، أو لا توفر مساراً واضحاً للمواطن، أو لا تشرح قراراتها، أو لا تخضع لرقابة فعالة، تتحول في الوعي العام إلى واجهة شكلية.”
وهنا يصبح بناء الدولة مرتبطاً بقدرتها على جعل المواطن يشعر بأن القانون ليس مجرد نص، بل حماية فعلية له.
العدالة الانتقالية… هل تُبنى الدولة الجديدة فوق جراح الماضي؟
في قلب المرحلة السورية الجديدة تقف قضية العدالة الانتقالية باعتبارها أحد الملفات الأكثر حساسية.
لكن عبد الغني يرفض اختزالها في فكرة العقاب فقط، مؤكداً أنها مسار أوسع يتعلق بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
ويقول:
“لا ينبغي قراءة العلاقة بين العدالة والسلم بوصفها علاقة تناقض. كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار ليست مطالب منفصلة عن السلم الأهلي، بل شروط لبنائه على أساس مستدام.”
ويرى أن تجاهل حقوق الضحايا تحت عنوان الاستقرار قد ينتج أزمة مؤجلة.
ويضيف:
“السلم الذي يقوم على إسكات الضحايا أو تأجيل العدالة إلى أجل غير محدد ليس سلماً، بل إدارة مؤقتة للخوف.”
فالسؤال بالنسبة له لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع الماضي، بل بنوعية الدولة التي ستولد بعده.
هل ستكون دولة قادرة على الاعتراف بالألم وتصحيحه؟ أم ستعيد إنتاج أساليب الإنكار التي عاشها السوريون لعقود؟
الحقيقة قبل النسيان… والعفو ليس طريقاً لتجاوز الحقوق:
يشدد عبد الغني على أن أي حديث عن المصالحة أو العفو لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل الضحايا أو تجاوز طبيعة الانتهاكات.
ويقول:
“أي عفو لا يقوم على اعتراف وجبر ضرر وضمانات عدم التكرار ليس عدالة انتقالية، بل إعادة إنتاج للإفلات من العقاب.”
ويؤكد أن المرحلة الأولى يجب أن تركز على حماية الحقيقة:
كشف مصير المفقودين، حفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات.
فالعدالة الانتقالية، كما يوضح، ليست مشروع انتقام، بل محاولة لمنع استمرار الجروح المفتوحة داخل المجتمع وتحولها إلى أزمات جديدة.
المجتمع المدني… حفظ الذاكرة في زمن التحول:
في مرحلة لا تزال فيها المؤسسات قيد البناء، يرى عبد الغني أن المجتمع المدني يؤدي دوراً محورياً في الانتقال من حالة الألم والاحتجاج إلى مسار مؤسسي منظم.
ويقول:
“المجتمع المدني يحتل موقعاً مركزياً في الانتقال من الاحتجاج إلى المؤسسة.”
ويحدد دوره في:
– توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة.
– مراقبة أداء المؤسسات.
– تمثيل الضحايا والفئات المهمشة.
– تقديم الدعم القانوني والاجتماعي.
– المساهمة في بناء الاعتراف المجتمعي.
لكنه يؤكد أن المجتمع المدني لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة.
فوظيفته، بحسب رؤيته، هي المساعدة في سد فجوات المرحلة الانتقالية إلى حين اكتمال مؤسسات قادرة على أداء دورها.
من الشارع إلى المؤسسة… الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة:
يرى عبد الغني أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس فقط بانخفاض عدد الاحتجاجات.
فغياب الاحتجاج قد يكون أحياناً نتيجة الخوف أو التعب، وليس نتيجة الثقة.
ويقول:
“لا يُقاس الانتقال من الشارع إلى المؤسسة بانخفاض عدد الاحتجاجات فقط. فقد ينخفض الاحتجاج نتيجة الخوف أو التعب أو القمع، لا نتيجة الثقة.”
ويعتبر أن المؤشر الحقيقي هو قدرة المواطن على الوصول إلى المؤسسات والشعور بأن صوته مسموع.
ويضيف أن المرحلة تحتاج إلى:
مؤسسات مساءلة فعالة.
قنوات تمثيل حقيقية.
هيئات مستقلة.
آليات واضحة للاستجابة.
فالهدف ليس إغلاق الشارع، بل جعل الشارع خياراً طبيعياً داخل مجتمع ديمقراطي، لا الخيار الوحيد عندما تفشل المؤسسات.
الدولة التي تستمع… والدولة التي تبني المستقبل
تدخل سوريا مرحلة لا يُقاس نجاحها فقط بتغير سياسي أو إعادة ترتيب إداري، بل بقدرة الدولة الجديدة على بناء علاقة مختلفة مع مواطنيها.
فالحقوق لا تستقر بمجرد إعلانها، والعدالة لا تتحقق بمجرد الحديث عنها، والثقة لا تُفرض بقرار سياسي.
ما سيحدد مستقبل المرحلة القادمة هو قدرة المؤسسات على التحول من هياكل انتقالية إلى دولة يشعر المواطن بأنها تسمعه وتحميه وتستجيب له.
ويبقى السؤال المفتوح أمام سوريا الجديدة:
هل تستطيع الدولة القادمة أن تجعل العدالة أساساً لبناء الثقة، أم أن تأجيل أسئلة الماضي سيترك الشارع يحملها جيلاً بعد جيل؟