دمشق.. حين يصل العنف إلى محيط العدالة

0 55

لا يقاس أثر التفجيرات بعدد الضحايا فقط، بل بالمكان الذي تضربه وما يحمله من دلالات. فحين يقع انفجار في محيط قصر العدل بدمشق، حيث يتجمع يومياً القضاة والمحامون والموظفون والمراجعون، فإن الرسالة تتجاوز الخسائر البشرية لتطال أحد المرافق المدنية الأكثر ارتباطاً بسيادة القانون واستمرار عمل مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حصيلة أولية مستقلة، مقتل ما لا يقل عن تسعة مدنيين وإصابة 22 آخرين في التفجير الذي استهدف، يوم الخميس 2 تموز/يوليو 2026، مقهى ملاصقاً لقصر العدل في دمشق، إضافة إلى أضرار مادية في موقع الانفجار.

استهداف تجمع مدني:

تشير المعلومات الأولية التي جمعتها الشبكة إلى أن من بين الضحايا محامين وأشخاصاً كانوا موجودين في محيط قصر العدل لإنجاز أعمالهم أو مراجعاتهم اليومية، فيما ترجح المعطيات الأولية أن التفجير نجم عن عبوة ناسفة، مع استمرار عمليات التحقق من الوسيلة المستخدمة والجهة المسؤولة وتسلسل الوقائع.

وتؤكد الشبكة أن جميع المعلومات المتعلقة بالضحايا والوسيلة المنفذة وهوية الفاعلين ما تزال في مرحلة التحقق، استناداً إلى إفادات أولية ومصادر محلية وطبية، إلى جانب مراجعة البيانات الرسمية والمواد مفتوحة المصدر، مع الالتزام بعدم نشر أي معلومات قد تعرض الشهود أو أسر الضحايا للخطر.

عندما يصبح مرفق العدالة هدفاً للعنف:

يرى التقرير أن خصوصية الحادثة لا تكمن في وقوعها داخل العاصمة فحسب، بل في استهدافها محيط مرفق قضائي مدني ومكان يرتاده المدنيون بصورة يومية. ويشير إلى أن قصر العدل والمقهى المجاور له يندرجان، من حيث الأصل، ضمن الأعيان المدنية التي يحظر استهدافها، الأمر الذي يثير مخاوف تتجاوز سلامة الأفراد إلى ضمان الوصول الآمن إلى العدالة واستمرار عمل المؤسسات القضائية.

ويعكس هذا النوع من الهجمات اتساع أثر العنف ليشمل الفضاءات المدنية المرتبطة بالخدمات العامة، بما فيها المؤسسات القضائية، وليس فقط المناطق ذات الطابع الأمني أو العسكري.

التحقيق قبل الاتهام:

ورغم إدانتها التفجير، تتجنب الشبكة إسناد المسؤولية إلى أي طرف في هذه المرحلة، مؤكدة أن المعلومات المتوفرة لا تسمح بحسم هوية المنفذين أو دوافعهم أو التكييف القانوني النهائي للحادثة.

وتشدد على أن أي استنتاج بشأن الجهة المسؤولة يجب أن يستند إلى تحقيق مهني ومستقل، لا إلى فرضيات أو اتهامات مسبقة، في وقت تشير فيه إلى أن سوريا لا تزال تشهد نزاعاً مسلحاً داخلياً مع تنظيم داعش وبعض المجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.

وفي حال ثبت أن التفجير ارتبط بالنزاع المسلح واستهدف مدنيين أو أعياناً مدنية، فقد يرقى، وفق التقرير، إلى انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني، وربما إلى جريمة حرب إذا توافرت العناصر القانونية اللازمة.

حماية المدنيين… مسؤولية مستمرة:

ويؤكد التقرير أن واجب السلطات لا يقتصر على ملاحقة المسؤولين عن التفجير، بل يشمل أيضاً حماية الحق في الحياة، وتأمين تحقيق سريع وفعال ومستقل وشفاف، مع الحفاظ على الأدلة ومسرح الجريمة، وضمان محاكمة عادلة للمسؤولين في حال تحديدهم.

كما يحذر من أن الإجراءات الأمنية اللاحقة لأي هجوم يجب ألا تتحول إلى مبرر لاعتقالات تعسفية أو عقوبات جماعية أو انتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة، داعياً في الوقت نفسه إلى توفير الرعاية الطبية والنفسية للمصابين، ودعم أسر الضحايا، وتعزيز إجراءات السلامة في محيط المحاكم والمرافق العامة.

اختبار لسيادة القانون:

يعيد التفجير طرح سؤال يتجاوز تفاصيل الحادثة نفسها: كيف يمكن حماية المؤسسات المدنية في مرحلة ما تزال تشهد تهديدات أمنية متفرقة؟

فاستهداف محيط قصر العدل لا يمثل اعتداءً على تجمع مدني فحسب، بل يضع أيضاً قدرة الدولة على حماية مؤسساتها المدنية وضمان الوصول الآمن إلى العدالة أمام اختبار جديد. وبينما يبقى تحديد المسؤولية رهين نتائج التحقيق، فإن الحادثة تؤكد أن تعزيز سيادة القانون لا يبدأ فقط بمحاسبة الفاعلين، بل أيضاً بالحفاظ على أمن الفضاءات التي يفترض أن تجسد العدالة نفسها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني