
حروف.. العجز عن الكتابة
يصعب تقديم إجابة دقيقة عن السؤال الآتي: من أين تنبع موهبة الكتابة؟ والمقصود هنا الكتابة بوصفها فعلاً إبداعياً. فالكتابة بهذا المعنى تمثل تعبيراً عن ذكاء عقلي وعاطفي رفيع، تتضافر في تكوينه عوامل بيولوجية وأسرية واجتماعية وتعليمية متعددة ومعرفية. غير أن هذا التفسير، على أهميته، يظل عاماً ولا يكشف على نحو كافٍ عن المصدر الحقيقي للموهبة الإبداعية في الكتابة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: ماذا نعني بالعجز عن الكتابة بوصفها إبداعاً؟ ومتى يمكن وصف شخص ما بأنه عاجز عن الكتابة؟ لا يتعلق الأمر بالإنسان العادي الذي يدوّن أو يكتب لأغراض الحياة اليومية؛ فليس كل ما يُكتب يُعد كتابة بالمعنى الإبداعي. إن العاجز عن الكتابة هو ذلك الشخص الذي يُفترض، بحكم انتمائه إلى المجال الثقافي أو الفكري، أن يكون كاتباً، لكنه يعجز عن إنتاج نص ينتمي فعلاً إلى عالم الكتابة. وحتى إذا كتب، فإن ما ينتجه قد يظل خارج هذا العالم من حيث القيمة والمعنى.
يمكن تعريف الكتابة بأنها كلام مسطور يتسم بالجدة، ويبتعد عن التكرار والمألوف، وينطوي على قيمة معرفية أو جمالية. فجميع أشكال الأدب والفكر والفلسفة تندرج ضمن هذا المعنى للكلام المسطور، ومن ثم فإن العجز عن الكتابة يتجلى أساساً في الكلام المكتوب.
ما الكتابة؟ ما الكلام؟
ولأن الكتابة في جوهرها كلام مسطور، فإن فهمها يقتضي أولاً فهم ماهية الكلام نفسه. فالإجابة عن سؤال: ما الكلام؟ هي في الوقت ذاته إجابة عن سؤال: ما الكتابة؟ بل إن تصور العجز عن الكتابة يظل ناقصاً ما لم يتحدد مفهوم الكلام تحديداً واضحاً.
يفرق الثعالبي في كتابه فقه اللغة بين القول والكلام. فالقول هو كل عبارة تُنطق، سواء أفادت معنى صحيحاً أم لم تفد. أما الكلام فهو القول الذي يؤدي معنى مفهوماً ومفيداً للمتلقي.
ويمكن إضافة أن الكتابة قد تكون مجرد قول، وقد ترتقي إلى مستوى الكلام. ومن النادر أن يخلو نص مكتوب من معنى ما، غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا المعنى: هل هو جديد ومولد للمعرفة، أم مكرر ومستهلك؟ كما أن المعنى قد يكون واضحاً أو غامضاً، لكن الغموض لا يعني انعدام المعنى، بل يدل على أن المعنى يحتاج إلى تأويل واكتشاف. أما النص الخالي من المعنى فعلاً فهو الذي يفتقد أي علاقة منطقية أو دلالية بما يشير إليه. ومن ثم فإن الكلام هو ما يحمل معنى يمكن للقارئ أو السامع إدراك مقصده، سواء ورد في نص أدبي أو فكري أو علمي.
ولا يقتصر مفهوم الكلام في العربية على المنطوق، بل يشمل المكتوب أيضاً. ولذلك لا يظهر فرق جوهري في الاستعمال العربي بين «كلام الله» و«كتاب الله». كما استُخدمت كلمة «كلمة» للدلالة على الخطاب أو النص المقروء، وأصبح كلام العرب مرادفاً للسانهم ولغتهم.
ومن الملاحظ أن لفظ «لغة» بمعناه الاصطلاحي المتداول لم يكن حاضراً بالوضوح نفسه في النصوص العربية القديمة، إذ كانت كلمة «لسان» تؤدي هذه الوظيفة. وحتى في بعض اللغات الحديثة، كالروسية، ما تزال الكلمة الدالة على اللغة مرتبطة بمعنى اللسان.
ويرتبط الكلام كذلك بالمنطق والعقلانية؛ ولهذا استُخدم لفظ «المنطق» في بعض السياقات مرادفاً للكلام، كما في التعبير القرآني: «عُلِّمنا منطق الطير». ومن هنا جاءت تسمية «علم الكلام» للدلالة على الحقل الذي تناول قضايا العقيدة والصفات الإلهية وأفعال الإنسان وما يتصل بها من مسائل فكرية.
أربعة أنواع
ويمكن تصنيف الكلام، سواء كان مكتوباً أم منطوقاً، إلى أربعة أنواع رئيسة.
أول هذه الأنواع هو الكلام المألوف المعروف المكرور، وهو الكلام المرتبط بضرورات الحياة اليومية، ولا يحتاج إلى تأمل أو تأويل خاص. ويتكون من الجمل الإخبارية والتعليمات والأسئلة المتداولة بين الناس. فهذا النوع من الكلام يقوم على ما استقر عليه العرف اللغوي والاجتماعي، مثل الحديث عن الطقس أو الأسعار أو الطلبات اليومية. وفي السياق المعاصر يمكن ملاحظة هذا النوع في الرسائل النصية السريعة، وتعليمات التطبيقات الرقمية، والتنبيهات اليومية التي يتبادلها المستخدمون عبر منصات التواصل، حيث تكون الغاية الأساسية هي التواصل المباشر لا إنتاج معنى جديد.
وقد يرد هذا الكلام داخل رواية أو قصة أو مقال، لكنه لا يصبح كتابة إبداعية إلا إذا اندمج في سياق أوسع يمنحه وظيفة فنية أو فكرية تتجاوز مباشرته.
أما النوع الثاني فهو كلام المتعة ذو القيمة الجمالية والمعرفية، ويمثل انتقالاً من اللغة بوصفها أداة للتواصل اليومي إلى اللغة بوصفها مجالاً للإبداع والابتكار. فهو كلام الأدب بمختلف أشكاله، والكلام الذي ينتجه المبدعون القادرون على منح اللغة طاقة جديدة. ويمكن أن نجد أمثلة حديثة عليه في الروايات المعاصرة التي تعالج قضايا الهوية والهجرة، أو في بعض الأعمال السينمائية والرقمية التي تعتمد نصوصاً مبتكرة قادرة على إعادة صياغة التجربة الإنسانية بلغة جديدة ومؤثرة.
وتكمن قيمة هذا الكلام في قدرته على الإدهاش وإنتاج المعنى الجمالي والمعرفي معاً. غير أن خطره يكمن في اقترابه من المألوف والمباشر؛ إذ يفقد مبرر وجوده كلما تراجع عنصر الجدة والابتكار فيه.
وفي المقابل يأتي القول الخالي من المعنى. فإذا كان النوع السابق يرتقي باللغة إلى مستوى الإبداع، فإن هذا النوع يمثل نقيضه تقريباً. فكل كلام هو قول، لكن ليس كل قول كلاماً. والكلام يفترض وجود معنى، بينما قد يكون القول فارغاً من أي مضمون حقيقي.
ويتجلى هذا النوع في الخطابات التي تنفصل عن الواقع وتكتفي بالشعارات والعبارات الرنانة. وكثيراً ما يظهر في الخطاب السياسي أو الأيديولوجي داخل الأنظمة الاستبدادية، حيث تتراكم الكلمات دون أن تنتج معرفة أو أثراً عملياً حقيقياً. وفي عصر الإعلام الرقمي يمكن أن يظهر أيضاً في بعض الحملات الدعائية أو المحتويات المنتشرة على الشبكات الاجتماعية التي تعتمد عبارات جذابة ومتكررة دون مضمون فعلي أو معلومات قابلة للتحقق.
أما النوع الرابع فهو الكلام المعنيّ غير المألوف، الذي يجمع بين المعنى والجدة، لكنه يتجلى أساساً في ميادين الفكر والعلم والفلسفة. وهو كلام يتطلب التأمل والتحليل والتفسير، لأنه لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يسعى إلى توسيع أفق الفهم وإنتاج معرفة جديدة. ومن أمثلته المعاصرة الأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ودراسات التغير المناخي، والنقاشات الفلسفية حول أخلاقيات التكنولوجيا، حيث لا يقتصر الخطاب على نقل الوقائع بل يعمل على بناء مفاهيم جديدة لفهم العالم.
وغالباً ما يجد هذا الكلام صعوبة في الوصول إلى الجمهور الواسع، لأن تلقيه يحتاج إلى استعداد معرفي يتجاوز حدود المألوف.
ويساعد هذا التصنيف على فهم طبيعة الخطابات المختلفة. فالخطاب العلمي، على سبيل المثال، ينتمي إلى الكلام المفيد ذي المعنى غير المألوف، حتى عندما تتبين لاحقاً محدودية بعض نتائجه؛ لأن غايته الأساسية هي السعي إلى مطابقة المعرفة بالواقع. ومع ذلك، فإن الحدود بين هذه الأنواع ليست صارمة دائماً، إذ قد تتداخل فيما بينها بدرجات متفاوتة.
وفي ضوء هذا التصنيف للكلام، يمكن الانتقال إلى صور العجز عن الكتابة، أي الحالات التي يعجز فيها الكاتب عن إنتاج كلام يحمل قيمة معرفية أو جمالية جديدة.
صور العجز
تظهر إحدى صور العجز في أشخاص يمتلكون معرفة واسعة وقدرات فكرية متميزة، لكنهم لا ينجحون في تحويلها إلى كتابة. ومن الأمثلة التي يوردها الكاتب حالة الفيلسوف بديع الكسم، الذي عُرف بعمق معرفته الفلسفية، لكنه توقف عن الكتابة بعد إنجاز رسالته للدكتوراه وبعض المقالات القليلة. ويمكن أن نجد صورة مشابهة اليوم لدى بعض الخبراء أو الأكاديميين الذين يمتلكون حضوراً قوياً في المحاضرات والبودكاست والندوات الرقمية، لكنهم لا ينجحون في تحويل أفكارهم إلى أعمال مكتوبة ذات أثر مستدام.
وينطبق الأمر ذاته على شخصيات أكاديمية أخرى امتلكت قدرة كبيرة على الشرح الشفهي والإقناع، لكنها لم تستطع إنتاج كتابة موازية لمستواها المعرفي. وهذا يدل على أن المعرفة والقدرة على الحديث لا تكفيان وحدهما لإنتاج الكتابة الإبداعية.
وتتمثل صورة أخرى من العجز في الاكتفاء بجمع النصوص والاقتباسات وإعادة ترتيبها دون إضافة حقيقية. فهذه الكتابة تعتمد على النقل والتجميع أكثر مما تعتمد على الإبداع أو إنتاج المعرفة. ويظهر هذا النمط اليوم في بعض المحتويات الرقمية التي تُبنى بالكامل على إعادة تدوير مواد منشورة سابقاً أو تلخيصها دون تقديم رؤية أو تحليل جديد.
وغالباً ما تصدر عن رغبة في الحضور الثقافي أو الأكاديمي دون امتلاك الأدوات الضرورية لذلك، وفي مقدمتها الموهبة والقدرة على الابتكار.
ويقوم نمط آخر على الانشغال الدائم بنقد الآخرين أو مجادلتهم دون تقديم أفكار جديدة. فالكاتب هنا يظل أسير نصوص غيره، يعرضها ويناقشها ويخاصمها، لكنه لا يضيف إليها ما يوسع آفاقها أو يثري دلالاتها. ويمكن ملاحظة ذلك في بعض السجالات الإلكترونية التي تستنزف الجهد في الردود المتبادلة والتفنيد المستمر من دون إنتاج مشروع فكري مستقل.
وقد يحقق هذا الأسلوب شهرة لدى الجمهور بسبب طابعه الجدلي، لكنه يظل عاجزاً عن إنتاج كتابة ذات أثر معرفي مستدام.
كما تتجلى صورة أخرى في الكتابة المرتبطة بالأحداث اليومية العابرة، والتي ينتهي أثرها بانتهاء الظرف الذي أنتجها. وهي كتابة تستهلك اللحظة الراهنة دون أن تترك أثراً فكرياً أو جمالياً يتجاوزها. ويبرز هذا النمط في كثير من التعليقات السريعة على الترندات الرقمية والأحداث المتداولة التي تحقق انتشاراً لحظياً ثم تفقد قيمتها بمجرد تغير دورة الأخبار.
ويكثر هذا النمط في الصحافة اليومية، حيث تُكتب النصوص لملء الصفحات أو لمهاجمة أشخاص ومدح آخرين وفق مصالح آنية.
ويقوم نوع آخر على إعادة إنتاج الموروث أو المكرر دون مساءلة أو تجديد. فالكاتب لا يضيف إلى ما ورثه، بل يكتفي باستعادته وتكراره. وفي البيئة المعاصرة قد يظهر ذلك في المحتويات التي تعيد نشر الأفكار نفسها بصيغ مختلفة أو تستنسخ نماذج ناجحة دون محاولة تطويرها أو إعادة قراءتها في ضوء أسئلة الحاضر.
وتظهر هذه الكتابة في كثير من النصوص التي تعيد اجترار الأقوال القديمة أو تكتفي بعرض التراث دون محاولة قراءته قراءة نقدية أو إبداعية.
أما الصورة الأخيرة فتتمثل في الكتابة التي تخضع بالكامل للحدث أو الواقعة، بحيث يكتفي الكاتب بنقلها كما هي دون أن يترك بصمته الخاصة عليها. ويمكن ملاحظة ذلك في بعض أشكال التغطية الفورية للمحتوى الرقمي، حيث يتحول الكاتب إلى مجرد ناقل للمعلومات المتداولة من دون تحليل أو تركيب أو رؤية خاصة.
وفي هذا النوع يغيب الإبداع لصالح السرد المباشر، فيتحول الكاتب إلى ناقل للأحداث بدل أن يكون منتجاً لمعنى جديد أو رؤية مختلفة.
وتكمن المفارقة في أن كثيراً من الكتابات قد تكون تعبيراً عن العجز عن الكتابة أكثر مما تكون تجسيداً لها. وغالباً ما يتخذ هذا العجز شكل موقف عدائي تجاه الكتّاب المبدعين الذين ينجحون في تجاوز المألوف.
كتابة المغامرة
فالكتابة الحقيقية، في نظر الكاتب، هي كتابة المغامرة. والمغامرة تعني اقتحام المجهول وتحمل المخاطرة في سبيل اكتشاف جديد. وهي بهذا المعنى فعل شجاعة فكرية وجمالية.
ومن ثم فإن الكتابة ليست مجرد استخدام للغة، بل هي دخول إلى عالمها بهدف إنتاج نص يحمل قيمة معرفية أو جمالية جديدة. إنها محاولة لقول ما لم يُقل من قبل، أو لقول المألوف بطريقة تكشف أبعاداً لم تكن مرئية.
ولهذا تختلف الكتابة المغامرة عن الكتابة الاستظهارية؛ فالأولى تبتكر وتضيف، بينما الثانية تكرر وتعيد إنتاج ما هو قائم. كما أن الإبداع لا يصدر عن الوهم أو الانفصال عن الواقع، بل عن ثقافة عميقة وقدرة على تجاوز حدودها وإعادة تشكيلها.
أما الكتابة التي تملأ فضاءات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية دون قيمة معرفية أو جمالية واضحة، فهي في كثير من الأحيان مثال على هذا العجز الذي يتخفى وراء كثرة الكلام.
وتظل الكتابة المغامرة قليلة إذا ما قيست بحجم ما يُكتب. وليس من الواقعي أن يكون جميع الكتّاب مبدعين بالمعنى نفسه؛ فالإبداع بطبيعته استثناء لا قاعدة.
ولهذا يميز الكاتب بين من يكتفون بالتسلية أو التعليق أو متابعة الأحداث، وبين أولئك الذين ينتجون أفكاراً جديدة في صياغات أدبية أو فلسفية متميزة. فهؤلاء هم الذين يبقى أثرهم حياً عبر الزمن.
ومن هنا يستمر حضور أسماء مثل المعرّي والمتنبي وابن رشد في الوعي الثقافي العربي، لأن نصوصهم ما تزال قادرة على توليد أسئلة ومعانٍ جديدة.
كما أن اتساع جمهور الكاتب لا يصلح معياراً للحكم على قيمته الإبداعية؛ فالجمهور الواسع يميل غالباً إلى المألوف وإلى ما ينسجم مع توقعاته المسبقة.
ولهذا قد تحظى نصوص شعبية واسعة الانتشار بإعجاب جماهيري كبير، من دون أن تمتلك قيمة جمالية أو فكرية راسخة. وفي المقابل، قد تظل نصوص أخرى أقل انتشاراً لكنها أكثر قدرة على البقاء والتأثير، لأنها تنطوي على مغامرة فكرية وجمالية حقيقية.
وتتضح هذه المفارقة عند المقارنة بين النصوص التي تثير أسئلة الوجود والمعرفة وتفتح أفق التأويل، وبين النصوص التي تكتفي بالتكرار والمديح وإعادة إنتاج المعاني المستهلكة.
غير أن الانشغال بالقضايا الكبرى لا يكفي وحده لإنتاج نص عظيم؛ فذلك يظل مرتبطاً بالموهبة والعبقرية. ومع ذلك، فإن العبقرية لا تتجلى عادة إلا حين ترتبط بهمّ يتجاوز حدود الذات الضيقة.
وهذا الهم هو ما يمكن تسميته بالهم الوجودي؛ أي انخراط الإنسان في سؤال المعنى وفي القضايا الكلية التي تمنح وجوده دلالة أعمق. فعندما يجد الفرد معناه في فعل حر يسهم في تشكيل العالم وتحسينه، يصبح وجوده أكثر امتلاءً بالغاية والمعنى.
وعندئذ يتحول الهم العام إلى هم شخصي، ويصبح الإنسان قادراً على التفاعل مع آلام الآخرين وآمالهم بوصفها جزءاً من تجربته الخاصة. وفي هذا السياق تتجلى ذاتية الكاتب المبدع لا بوصفها انغلاقاً على الذات، بل بوصفها مشاركة حرة في الهم الإنساني المشترك.
ومن هنا تنبع الكتابة الخلّاقة: من التقاء الحرية بالمعنى، ومن قدرة الكاتب على تحويل تجربته الفكرية والوجودية إلى نص يضيف إلى العالم رؤية جديدة وقيمة باقية.