تحالف مكة: اختبار القوة والمصلحة

0 12

في منطقة اعتادت، منذ عقود، أن يكون أمنها جزءاً من ترتيبات القوى الكبرى أكثر مما هو نتاج توازناتها الداخلية، يكتسب التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز عدد الدول المشاركة فيه وحجم جيوشها. فالمسألة ليست مجرد جمع ثلاث قوى إسلامية كبيرة في إطار واحد، بل محاولة لفهم ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو إنتاج بعض توازناتها الأمنية بنفسها، في لحظة دولية شديدة السيولة، تتسع فيها المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتتكاثر في الشرق الأوسط بؤر الصراع ومصادر التهديد.

اتفاق مكة للدفاع المشترك ذهب أبعد من إعلان النوايا؛ إذ نص على أن أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً. وهذه صيغة تنقل العلاقة من التعاون العسكري التقليدي إلى مفهوم الردع الجماعي. لكن قيمة هذه الصيغة لن يحددها النص وحده، بل قدرة الدول الثلاث على تحويله إلى التزام قابل للتنفيذ عندما تأتي لحظة الاختبار.

على الورق، تبدو عناصر القوة واضحة. السعودية تملك وزناً عربياً وإسلامياً واقتصادياً كبيراً، وموقعاً مركزياً في الخليج، وقدرة مالية تتيح لها الاستثمار طويل الأمد في بناء القدرات العسكرية والتكنولوجية. وتركيا تملك واحداً من أكبر جيوش المنطقة، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وصناعة دفاعية متنامية، إضافة إلى خبرة عسكرية وسياسية في أكثر من ساحة إقليمية. أما باكستان فهي قوة عسكرية كبيرة، والدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، ولديها مؤسسة عسكرية ذات خبرة طويلة وعلاقات استراتيجية متشعبة.

وهذا التكامل هو أحد أهم مصادر قوة التحالف المحتملة: المال والوزن العربي والخليجي، والقدرة العسكرية والصناعية التركية، والقوة العسكرية والنووية الباكستانية. وإلى ذلك تضاف جغرافيا استراتيجية تمتد من الخليج والبحر الأحمر إلى الأناضول وجنوب آسيا. غير أن جمع عناصر القوة لا يصنع، بذاته، تحالفاً قادراً على الاستمرار.

لذلك فإن العامل الحاسم في ثبات هذا التحالف لن يكون أن الدول الثلاث دول إسلامية، على أهمية ما يوفره ذلك من أرضية سياسية وشعبية، بل قدرتها على تحويل تقاطع مصالحها الراهن إلى مصلحة استراتيجية مشتركة تستطيع الصمود عندما تبدأ المصالح الأخرى بالتعارض. فالتحالفات لا تُختبر عندما تتطابق مصالح أعضائها، بل عندما يختلف تقديرهم للخطر، وحين تصبح الاستجابة له مكلفة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية. فلكل دولة خريطتها الخاصة للعالم ومصادر تهديد مختلفة. تركيا عضو في الناتو، ولها علاقات ومصالح مع روسيا وإيران. وباكستان تنظر إلى أمنها بدرجة كبيرة من خلال صراعها التاريخي مع الهند وعلاقتها الاستراتيجية بالصين. أما السعودية فتتحرك داخل شبكة أخرى من المصالح تبدأ بأمن الخليج واليمن وإيران، وتمتد إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين والقوى الكبرى.

ولهذا سيكون من المبكر النظر إلى التحالف باعتباره جبهة عسكرية موجهة تلقائياً ضد إيران أو إسرائيل. والاتفاق نفسه لا يسمي دولة بعينها عدواً مشتركاً، فقد قدمته الدول الموقعة بوصفه اتفاقاً دفاعياً غايته تعزيز الردع الجماعي. غير أن عدم تسمية الخصم لا يلغي البيئة التي ولد فيها الاتفاق. فتمدد النفوذ الإيراني عبر الجماعات المسلحة في أكثر من دولة عربية يمثل أحد عناصر البيئة الإقليمية التي لا تستطيع السعودية تجاهلها. وفي المقابل، تثير السياسات الإسرائيلية واتساع استخدام القوة خارج الحدود الفلسطينية سؤالاً متزايداً حول قدرة دول المنطقة على بناء توازن يمنع تحول التفوق العسكري الإسرائيلي إلى قدرة مفتوحة على فرض الوقائع بالقوة.

لكن مواجهة النفوذ شيء، والدخول في حرب شيء آخر. وهنا تكمن، ربما، الوظيفة الأهم للتحالف: الردع. فالردع الناجح لا يقاس بعدد الحروب التي يخوضها التحالف، بل بعدد الحروب التي يمنع وقوعها. وحين يعرف أي طرف أن الاعتداء على دولة لن يبقى محصوراً في مواجهة ثنائية، فإن حساب الكلفة يتغير حتى إن لم تُطلق رصاصة واحدة.

وقد بدأت الدول الثلاث بالفعل محاولة نقل الاتفاق من النص إلى المؤسسة، عبر إنشاء أمانة دائمة وتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية والتطوير والإنتاج التكنولوجي المشترك. وهذه خطوات مهمة، لأن التحالف الذي لا ينتج مؤسسات وآليات عمل يبقى أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى منظومة أمنية.

ومع ذلك يبقى السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تتعرض إحدى الدول الثلاث لخطر حقيقي بينما لا ترى الدولتان الأخريان أن هذا الخطر يمس مصالحهما بالدرجة نفسها؟ هل يعني الدفاع المشترك توفير السلاح والمعلومات الاستخبارية والدفاع الجوي، أم المشاركة العسكرية المباشرة؟ ومن يقرر أن الحالة القائمة تستوجب تفعيل الالتزام الجماعي؟ هنا سيظهر الفارق بين قوة النص وقوة التحالف.

أما الصراع الدولي بين الغرب والشرق، فهو يحمل للتحالف فرصة وخطراً في الوقت نفسه. فتعدد مراكز القوة يوسع هامش المناورة أمام القوى الإقليمية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر ضغط؛ فتركيا مرتبطة بالناتو، وباكستان شديدة الارتباط بالصين، والسعودية تحاول الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن بالتوازي مع توسيع علاقاتها مع بكين.

من هنا، لا يتوقف مستقبل تحالف مكة على حجم الجيوش الثلاثة، ولا على كون أطرافه دولاً إسلامية، بل على قدرته على إنتاج تعريف مشترك للمصلحة والخطر. فإذا استطاعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحويل تقاطع المصالح إلى مصلحة استراتيجية مستدامة، فقد نكون أمام بداية تحول مهم في بنية الأمن الإقليمي: انتقال تدريجي من منطقة تنتظر ترتيبات أمنها من الخارج إلى منطقة تشارك في إنتاجها بنفسها. أما إذا بقيت المصالح متجاورة من دون أن تصبح مشتركة، فسيظل التحالف كبيراً في ميزان القوة، محدوداً في ميزان الفعل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني