
النقد ومساكين الكتابة
يُنظَر إلى النقد على أنه قولٌ في المكتوب: تحليلاً، وتأويلاً، واختلافاً، وإضافةً. وقد اختصر النقد الحديث هذه الوظائف كلها بمفهوم القراءة النقدية، سواء أكانت قراءة مكتوبة أم شفاهية. غير أن القراءة الشفاهية تظل محدودة بأثرها فيمن سمعها، أما القراءة المكتوبة فتغدو نصاً جديداً يدخل في تاريخ النص الأول.
والنقد، بهذا المعنى، ليس تعليقاً على النص، بل هو نص على نص. وأغنى القراءات النقدية ليست تلك التي تكرر ما قاله المؤلف، ولا التي تلخصه، وإنما تلك التي تتخذ من النص المنقود نقطة انطلاق لإنتاج معرفة جديدة، حتى يصبح النص النقدي عملاً إبداعياً قائماً بذاته.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ إن النص النقدي نفسه يصبح موضوعاً لنقد آخر، فتولد ظاهرة نقد النقد، وهي من أرقى صور الحوار الثقافي؛ لأنها تستلزم معرفة بالنص الأصلي، ومعرفة بالنقد الذي تناول ذلك النص، ثم إنتاج قراءة ثالثة تضيف إلى الاثنين معاً. وهكذا يغتني النص الأول بقراءات متعددة، ويتحول إلى فضاء مفتوح للحوار، لا إلى وثن مغلق على التقديس.
غير أن ثمة من لا يميز بين نقد النقد وبين المهاترة، ولا بين الاختلاف الفكري وبين الشجار، ولا بين الحوار وبين الردح العامي. وهؤلاء هم ما أسميهم مساكين الكتابة.
وليس المقصود بالمسكين هنا معنى الشفقة، بل المعنى العربي الأصيل للكلمة؛ أي الفقير في الزاد. ومساكين الكتابة هم الفقراء في المعرفة، واللغة، والمنهج، والموهبة، والعاجزون عن إنتاج فكرة، فيلجؤون إلى استهلاك أفكار الآخرين، أو الاحتماء بأسمائهم، أو الاحتماء بالصخب بدل البرهان.
وقد كانت هذه الفئة موجودة دائماً، لكنها بقيت محدودة الأثر قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي. أما بعد ظهورها، فقد وجدت المنبر الذي كانت تنتظره؛ إذ صار في وسع كل من يملك هاتفاً أن يملك منبراً، وكل من يملك حساباً أن يتوهم امتلاك سلطة المعرفة.
ولعل أخطر ما صنعته وسائل التواصل أنها ألغت الفوارق بين امتلاك الرأي وامتلاك المعرفة، وبين الجرأة على الكلام والقدرة على التفكير، وبين كثرة المتابعين والقيمة الفكرية. وهكذا صار التطاول طريقاً سريعاً إلى الظهور، بعد أن كان الإبداع هو الطريق الأصعب.
وتجربتنا مع هذه الظاهرة طويلة. فعندما نمارس النقد الفلسفي أو الأدبي أو الفكري على أعمال كتّاب معروفين، كاشفين مواطن القوة والضعف فيها، فإن المشكلة لا تنشأ، في الغالب، مع الكاتب نفسه، بل مع أتباعه. فصاحب التجربة الحقيقية يدرك أن النقد شرط من شروط بقاء الفكر حياً، أما التابع فيتعامل مع الكاتب كما لو كان صنماً لا يجوز الاقتراب منه.
وهنا تبدأ الأزمة النفسية. فالتابع لا يرى في نقد متبوعه مجرد اختلاف في الرأي، بل يراه تهديداً لهويته هو؛ إذ يتساءل في أعماقه: إذا كان هذا الذي جعلته مرجعي ليس على الصورة التي تخيلتها، فماذا يكون موقعي أنا الذي بنيت وعيي عليه؟ ولذلك يدافع عن متبوعه دفاعاً عن نفسه، لا دفاعاً عن الحقيقة.
ولأنه يفتقر إلى أدوات المعرفة، وإلى المنهج، وإلى القدرة على المحاججة، فإنه يعوض هذا الفقر بالصوت المرتفع، وبالشتيمة، وبالسخرية، وبكل ما لا يمت إلى النقد بصلة. فالشتيمة لا تُسقط فكرة، كما أن ارتفاع الصوت لا يزيد الحجة قوة.
ومن هؤلاء أيضاً من أوصلته المصادفة إلى حرفة الكتابة، لا إلى موهبتها. فيتوهم أن مجرد الرد على نص نقدي يجعله نداً لصاحبه، وأن الإساءة اللفظية صورة من صور الانتصار الفكري. وما درى أن الندية لا يصنعها الادعاء، وإنما يصنعها الإنتاج.
وزاد وسائل التواصل وهماً جديداً؛ إذ جعلت بعض من يسمَّون “أصدقاء” يظنون أن مجرد الضغط على زر الإضافة يجعلهم جزءاً من حياة الكاتب، وأن غضبهم أو انسحابهم من صفحته خسارة له. وما أكثر ما يتوهم الإنسان قيمته حين تقيسها له شاشة صغيرة.
أما المنافقون الذين يبدلون مواقفهم بتبدل المصالح، ويبدلون صداقاتهم بتبدل الريح، فإن انكشافهم مكسب أخلاقي، لا خسارة إنسانية؛ لأن سقوط القناع أهون من استمرار الخداع.
وقد أخذ علينا بعضهم أننا نكتب كثيراً بصيغة الجمع، ونستخدم نون الفاعلين. والحق أن العربية تعرف هذه الصيغة منذ القدم، لا تعبيراً عن تضخم الذات، بل لأنها تخفف من حدة الأنا، وتجعل المتكلم يتحدث باسم مشروع فكري، لا باسم فرد منعزل.
وأخذوا علينا أيضاً أننا نقيم في برج فلسفي عالٍ. أما هذا، فلا ننكره. فالفلسفة ليست حفرة ينزل إليها الناس، بل قمة يُدعون إلى الصعود إليها. ونحن لا نرى في الفكر العالي امتيازاً اجتماعياً، بل مسؤولية معرفية. ولذلك نخاطب الناس من هذا البرج، ونحاول، ما استطعنا، أن نجعل الطريق إليه أقل وعورة، لكننا لن نهدم البرج حتى لا يتعب أحد في الصعود. فمن شاء أن يرتقي، فالباب مفتوح، ومن شاء أن يبقى في الوادي، فذلك خياره.
ويبقى أن نقول إن قسوة النقد لا تعني قسوة القلب. فمن يعرفنا يعرف أن محبتنا للإنسان أسبق من خصومات الفكر، وأننا لا نحمل في صدورنا غيرة ولا حسداً ولا رغبة في الإيذاء، بل نؤمن بأن الفكر معركة من أجل الحقيقة، لا من أجل الكراهية.
ولذلك قلت يوماً لحبيبتي:
ذئبٌ أنا،
لكنني، وسحرُ الروح في عينيك،
رقيقٌ مثلُ حزنِ الكبرياء.