
الفصل بين السلطات: كيف تحمي الشرعية نفسها؟
حين تصل سلطة إلى الحكم، ينشأ معها خطر لا يتعلق بكيفية وصولها فقط، بل بما يمكن أن تفعله بعد وصولها. فالسلطة التي اكتسبت حقها في الحكم بطريقة مشروعة تكتسب في الوقت نفسه قدرة على اتخاذ القرارات وإنفاذها، وقد تتحول هذه القدرة، إذا لم تقابلها قدرة مؤسسية على الاعتراض والمراجعة، من وسيلة لممارسة الحكم إلى وسيلة لتوسيع نطاقه. وعندها لا تعود المشكلة في مصدر السلطة، بل في احتمال أن تستخدم السلطة حقها المشروع في تقويض الشروط التي منحتها هذا الحق. هذا الهاجس يجد كل ما يسوغه، والسلطة بشرعيتها كاملة الأوصاف، فكيف إن كانت غير ذلك؟
لهذا لا يكفي أن تسأل نظرية الشرعية: كيف تصل السلطة إلى الحكم؟ بل عليها أن تسأل أيضاً: كيف تظل ممارسة السلطة مرتبطة بالقواعد التي تمنحها حق الحكم؟ فالشرعية ليست رخصة مفتوحة للسلطة، ولا تتحول السلطة بمجرد اكتسابها الشرعية إلى مالكة للقواعد التي تحدها. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يهم هذا المقال: كيف يمكن أن تكون الدولة قادرة على الحكم، من دون أن تصبح السلطة قادرة على امتلاك الحكم؟
المسألة هنا ليست تقليص قدرة السلطة على الفعل. الدولة تحتاج إلى سلطة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، ولا يمكن أن تعمل إذا تحولت مؤسساتها إلى جزر متباعدة لا يملك أحدها القدرة على الفعل. لكن الدولة تحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للسلطة: هنا تنتهي صلاحيتك. فالقدرة على الفعل لا تمنح السلطة حق تجاوز الحدود التي تقيد ممارستها، ولا تصبح هذه الحدود ذات معنى ما لم توجد مؤسسات قادرة على فرضها عند تجاوزها.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للفصل بين السلطات. فالفصل ليس مجرد توزيع للاختصاصات بين التشريع والتنفيذ والقضاء، ولا مجرد ترتيب هندسي للمؤسسات. قيمته الأعمق أنه يوزع القدرة على القرار والاعتراض والمراجعة، بحيث لا تصبح الجهة التي تمارس السلطة هي الجهة الوحيدة القادرة على تحديد حدودها ومراقبة استخدامها. لا تكفي معرفة من يشرّع ومن ينفذ ومن يقضي؛ يجب أن نسأل أيضاً: من يستطيع أن يعترض؟
وهذه النقطة تفسر لماذا لا يكفي أن تكون السلطة قد وصلت إلى الحكم بطريقة مشروعة. فالانتخاب يمنح السلطة حقاً في ممارسة الحكم ضمن القواعد التي جرى الانتخاب وفقها، لكنه لا يمنحها حق تغيير تلك القواعد لمصلحتها من جانب واحد. والتفويض الدستوري يمنح السلطة اختصاصات محددة، لكنه لا يجعلها صاحبة الحق في إعادة تعريف هذه الاختصاصات كلما وجدت في ذلك مصلحة.
لذلك فالمشكلة ليست أن تصبح السلطة قوية، وإنما أن تصبح قوتها هي التي تحدد ما يحق لها فعله. فالشرعية تفترض التمييز بين القدرة على ممارسة السلطة والحق في ممارستها: قد تملك السلطة صلاحية اتخاذ القرار، لكن ذلك لا يعني أن كل استخدام لهذه الصلاحية مشروع. ولهذا لا يكفي أن ترسم النصوص حدود السلطة، ولا أن تراجع قراراتها بعد أن تنتج آثارها؛ بل يجب أن توجد مؤسسات تراقب ممارسة السلطة وتملك، عند تجاوز حدودها، قدرة فعلية على التدخل ووقف هذا التجاوز.
وهنا يظهر الفرق بين وجود القيد ووجود القدرة على فرض القيد. فقد ينص الدستور على أن البرلمان يراقب الحكومة، لكن وجود النص لا يعني أن البرلمان يملك فعلاً أدوات الرقابة. وقد ينص الدستور على استقلال القضاء، لكن النص لا يكفي إذا كانت السلطة التنفيذية قادرة على إخضاع القضاء في تعيين القضاة أو ترقيتهم أو عزلهم. وقد يحدد الدستور صلاحيات رئيس الدولة بدقة، لكن هذه الحدود تصبح بلا قيمة إذا لم توجد مؤسسة تستطيع وقف تجاوزها.
ويصبح سوء فهم الفصل بين السلطات أكثر خطورة حين يُستخدم لتبرير إبعاد السلطة التشريعية عن مراقبة السلطة التنفيذية، بزعم أن لكل سلطة مجالها الذي لا يجوز للأخرى التدخل فيه. فهذا لا يطبق مبدأ الفصل، بل يقلب وظيفته رأساً على عقب. استقلال السلطة التنفيذية في ممارسة اختصاصاتها لا يعني استقلالها عن الرقابة والمساءلة، كما أن اختصاص البرلمان بالتشريع لا يحصر وظيفته في إنتاج القوانين. فالرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة، ومساءلتها عن سياساتها وقراراتها، ومناقشة أدائها في الشؤون الداخلية والخارجية، ليست اعتداءً على اختصاص السلطة التنفيذية، بل إحدى الآليات التي تجعل الفصل بين السلطات فعلياً لا شكلياً. وإذا مُنعت السلطة التشريعية من مراقبة الحكومة بحجة الفصل بين السلطات، فإن النتيجة ليست سلطتين مستقلتين، بل سلطة تنفيذية تمارس اختصاصاتها من دون رقابة سياسية مؤسسية. وعندها يتحول المبدأ الذي وُجد لمنع احتكار السلطة إلى ذريعة لحماية أحد مراكزها من المساءلة.
والتمييز هنا ضروري بين ممارسة الاختصاص والرقابة على ممارسته. فالبرلمان لا يمارس السياسة الخارجية بدل الحكومة حين يناقشها ويراقبها ويسائل الحكومة عنها، كما أن القضاء لا يمارس السلطة التنفيذية حين يوقف قراراً تنفيذياً مخالفاً للدستور أو القانون. في الحالتين لا تحل سلطة محل أخرى، وإنما تمارس كل منها اختصاصها في الرقابة على ممارسة سلطة أخرى لاختصاصها. ولو كان الفصل يعني أن تنفرد كل سلطة بشؤونها من دون أن تستطيع سلطة أخرى مراقبتها أو مساءلتها أو وقف تجاوزها، لما كان فصلاً بين السلطات، بل تقسيماً لمناطق نفوذ محصنة، تستطيع كل سلطة داخل منطقتها أن تفعل ما تشاء. وهذا هو النقيض تماماً من الغاية التي يقوم عليها الفصل.
لهذا لا يقاس الفصل بين السلطات بعدد المؤسسات التي تحمل أسماء مختلفة، وإنما بمدى قدرتها الفعلية على ممارسة اختصاصاتها ومقاومة تجاوز المؤسسات الأخرى.
ومن هنا أيضاً يجب التمييز بين الفصل والتعطيل. فالفصل بين السلطات لا يعني أن تعمل كل سلطة منفصلة عن الأخرى، ولا أن يصبح كل اختلاف بينها سبباً لشلل الدولة. الدولة تحتاج إلى التعاون بين مؤسساتها بقدر حاجتها إلى استقلالها النسبي. والغاية ليست أن تعجز السلطة عن الحكم، وإنما أن تستطيع الحكم من دون أن تصبح قادرة على احتكار الحكم. لذلك فإن التوازن المؤسسي الناجح ليس هو الذي يمنع القرار، بل الذي يمنع احتكار القدرة على القرار.
لكن مشكلة الاحتكار لا تبدأ مع قيام السلطات الدستورية. ففي اللحظة التأسيسية، وقبل أن تنتظم هذه السلطات بالصورة التي تسمح بالحديث عن الفصل بينها، تبدأ العملية التي تتشكل من خلالها قواعد النظام وشروط شرعيته. وهنا يظهر السؤال نفسه في صورة أسبق: ماذا يحدث إذا احتكرت جهة واحدة هذه العملية، من بناء التوافق الوطني وإدارة الحوار الوطني إلى صياغة القواعد الدستورية وإقرارها، أو جمعت بين إدارة المرحلة الانتقالية وتحديد النظام الذي سيأتي بعدها والرقابة على العملية التي تنتجه؟
لكن مشكلة الاحتكار لا تبدأ مع قيام السلطات الدستورية. ففي اللحظة التي تُبنى فيها الدولة أو يعاد تأسيسها، لا تكون هناك سلطات دستورية مكتملة حتى نتحدث عن الفصل بينها. ومع ذلك توجد عملية تتشكل من خلالها قواعد النظام نفسه وشروط شرعيته. وهنا تظهر مشكلة أخرى: ماذا يحدث إذا احتكرت جهة واحدة إدارة هذه العملية، من بناء التوافق الوطني وإدارة الحوار الوطني إلى صياغة القواعد الدستورية وإقرارها، أو الجمع بين إدارة المرحلة الانتقالية وتحديد النظام الذي سيأتي بعدها والرقابة على العملية التي تنتجه؟
هذه ليست مشكلة فصل بين سلطات لم تتشكل بعد، ولا ينبغي تسميتها كذلك. إنها مشكلة احتكار العملية التي تتشكل من خلالها قواعد النظام وشروط شرعيته. فالجهة التي تدير الحوار الوطني لا ينبغي أن تتحول إلى صاحبة القرار الوحيد في مخرجاته، والجهة التي تدير المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تملك، بحكم موقعها التنفيذي، القرار المنفرد في تحديد القواعد النهائية التي ستقيد السلطة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. والجهة التي تشارك في صياغة الدستور لا ينبغي أن تكون هي نفسها الجهة الوحيدة التي تراقب العملية الدستورية وتحسم نزاعاتها.
المقصود هنا ليس أن كل وظيفة تأسيسية يجب أن توزع آلياً على جهة مستقلة، ولا أن التأسيس يحتاج إلى نسخة مبكرة من الفصل بين السلطات. فقد تحتاج المرحلة التأسيسية إلى قدر من التمركز التنفيذي حتى تستطيع الدولة أن تعمل، وأن تعالج الفراغ والفوضى، وأن تتخذ قرارات عاجلة. لكن التمركز الضروري للفعل لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للعملية التي تحدد قواعد السلطة نفسها.
ولهذا فإن السؤال في المرحلة التأسيسية ليس: الفصل أم التمركز؟ وإنما: ما الذي يجوز تمركزه لكي تستطيع الدولة أن تعمل، وما الذي لا يجوز احتكاره لكي تستطيع الشرعية أن تتشكل دون أن تفرضها جهة واحدة؟
يمكن أن تتمركز القدرة التنفيذية، إذا كانت هناك حاجة إليها، من دون أن تتمركز معها القدرة على تحديد العقد الاجتماعي، وإدارة الحوار الوطني، وصياغة الدستور، والرقابة على العملية التأسيسية، والفصل النهائي في النزاعات التي تنشأ عنها. فالتمركز قد يكون وسيلة للفعل، لكنه يصبح خطراً عندما يتحول من تمركز في القدرة التنفيذية إلى احتكار للعملية التي تحدد قواعد السلطة.
وبعد قيام النظام الدستوري يتخذ الخطر صورة مختلفة. لم تعد المسألة الأساسية هي من يشارك في تشكيل قواعد النظام، وإنما كيف تمنع القواعد التي تشكل النظام من أن تتحول إلى مجرد غطاء لاحتكار السلطة. هنا يصبح الفصل بين السلطات وسيلة مؤسسية للحيلولة دون اجتماع القرار والتنفيذ والرقابة النهائية في يد واحدة.
لكن حتى هنا لا ينبغي تحميل الفصل بين السلطات أكثر مما يحتمل. فهو لا ينتج الشرعية وحده، ولا يضمن استمرارها، ولا يغني عن الانتخابات والتعددية والحقوق والحريات وسيادة القانون واستقلال القضاء وحرية الإعلام وغيرها من الشروط التي تجعل ممارسة السلطة قابلة للقبول والمراجعة. إنما يؤدي وظيفة محددة داخل هذه المنظومة: يمنع تركّز القدرة المؤسسية على الحكم إلى الحد الذي يجعل السلطة قادرة على احتكار أدوات تصحيحها ومراجعتها وتغييرها.
وهنا تتضح علاقته باستمرار الشرعية. فإذا كان الفاعل السياسي يستطيع أن يخسر جولة من الصراع على السلطة من دون أن يخسر النظام كله، يصبح الخلاف السياسي قابلاً للإدارة داخل المؤسسات. وإذا كان المنتصر يستطيع أن يحكم من دون أن يستطيع وحده تغيير قواعد اللعبة التي تحكم بقاءه، يصبح تداول السلطة ممكناً من دون أن يتحول كل انتقال سياسي إلى معركة على وجود النظام نفسه.
بهذا المعنى يمكن فهم إعادة إنتاج الشرعية بوصفها العملية الأوسع التي تتجدد من خلالها الشروط التي تجعل ممارسة السلطة مقبولة ومبررة وقابلة للاستمرار. والفصل بين السلطات لا ينتج هذه العملية وحده، لكنه يساهم فيها عندما يجعل الاعتراض والمراجعة والتصحيح وتغيير السلطة ممكنة داخل النظام نفسه، بدل أن يصبح تغيير السلطة مشروطاً بإسقاط النظام.
وهذه إحدى أهم وظائفه: أنه يتيح للخلاف السياسي أن يبقى خلافاً على من يحكم وكيف يحكم، بدل أن يتحول إلى صراع على من يملك النظام نفسه.
لكن الفصل يمكن أن يفشل. قد تكون المؤسسات موجودة في النصوص، بينما تكون القدرة الفعلية مركزة في مركز سياسي واحد. وقد يتحول البرلمان إلى مؤسسة تابعة، أو يصبح القضاء مستقلاً في النص وخاضعاً في الواقع، أو تتحول القيود الدستورية إلى قواعد لا توجد مؤسسة قادرة على فرضها. وقد يفشل الفصل أيضاً عندما يتحول التوازن إلى تعطيل دائم يجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ القرار.
لذلك لا تكمن قيمة الفصل في أنه يقيد السلطة إلى الحد الأدنى، وإنما في أنه يقيم توازناً بين قدرتين تحتاج إليهما الدولة معاً: قدرة السلطة على الحكم، وقدرة المؤسسات على منع احتكار الحكم.
وعند هذه النقطة يعود السؤال إلى أصله. الشرعية تمنح السلطة حق الحكم، لكنها لا تمنحها حق امتلاك النظام. والسلطة تحتاج إلى قدرة حقيقية على الفعل، لكنها لا ينبغي أن تكون صاحبة القدرة الوحيدة على تحديد حدود هذه القدرة ومراجعتها.
لذلك فإن الفصل بين السلطات لا يحمي الشرعية لأنه ينتجها، ولا لأنه يكفي وحده لاستمرارها، وإنما لأنه يمنع السلطة التي تستمد حقها من الشرعية من أن تصبح الجهة الوحيدة القادرة على تحديد شروط استمرار هذا الحق.
كيف نمنح السلطة القدرة على الحكم من دون أن نمنحها القدرة على امتلاك الحكم؟
هنا تكمن وظيفة الفصل بين السلطات داخل نظرية الشرعية.