كيف نبني دولةً قويةً بعد الدمار (6-6)

0 15

في نهاية هذه السلسلة التي حاولنا فيها تسليط الضوء على أهم ما يمكننا فهمه ودعمه في وطننا للارتقاء به نحو القمة والعزة والمجد.

سنتكلم عن أمرين يلامسان القلب والعقل معاً ويُسهمان في بناء أجيال واعية قوية معافاة يُمكنها بذل كل ما تملك من علم ومعرفة مقرونة بصحة نفسية وجسدية تُساعده على بلوغ أمانيه بسهولة ويسر هما:

التعليم والصحة:

نعلم جميعاً أن الدول التي تخرج من حروب على أساس طائفي وسياسي تعاني شعوبها من جروح عميقة في الجسد وانقسام في العقل وندوب في الصحة النفسية والمشاعر والدولة التي تحاول النهوض بعد الدمار تعلم أن رأس مالها الحقيقي هو الأجيال القادمة ولهذا تجد نفسها أمام واجب العمل على مسارين في وقت واحد وهما التعليم والصحة لأنهما البنية التحتية للعقل والجسد، حيث تبدأ بالعمل على دعم المدارس والجامعات مع التركيز على دعم التدريب المهني لما له من أهمية في بناء الوطن في مرحلة النهوض من آثار الدمار التي خلفتها الحرب.

سنذكر حمص كمثال واقعي للدمار ونقص الخدمات وطرق الحل المُقترحة:

تحتوي حمص على جامعة وعدد من المشافي كانت تؤمن نوعاً من الاكتفاء قبل الثورة على صعيد التعليم وتقديم العلاج لنكتشف أن عاصمة الثورة باتت تعاني من نقص حاد في كل من التعليم والصحة بالإضافة إلى انقسام مجتمعي لا يساعد على شفاء البنية التحتية في كلا القطاعين بالسرعة التي نتمناها جميعا.

نبدأ بملف الصحة:

بما أن الدولة القوية هي تلك التي تملك مؤسسات قوية فإن تعافي مؤسسات القطاع الصحي ورفع قدرتها على تقديم الخدمات للناس سيكون سبباً في بناء ثقة المواطن بدولته التي تعمل على توفير الخدمات لشعبها لأن المرض ببساطة لا يسأل المريض عن دينه أو طائفته بينما يستطيع المشفى الذي يُعالج المواطنين على اختلاف مشاربهم إطلاق رسائل أقوى بكثير من خطابات المصالحة التي قد لا تلقى رواجاً بين الناس في مرحلة ما بعد الحرب.

بعد ما تقدم نجد سؤالاً مهماً يطرح نفسه بقوة وهو على الشكل التالي:

من أين نبدأ وكيف؟

برأيي هناك عدة اقتراحات، على السلطة في حمص العمل عليها ودعمها ومن أهمها:

1- إعادة ترميم المشافي الوطنية لأنها هي التي تزرع فكرة أن الدولة تعمل لصالح الشعب وليس لجني المال وأن مصلحة المواطن الفقير من أهم أولوياتها مع التركيز على توفير الأجهزة والمُعدات الطبية في المشافي الحكومية لكسر احتكار المشافي الخاصة ذات الفواتير المرعبة مثل (أجهزة الأشعة والحضانات وغرف العمليات) لأن الانقسام المُجتمعي سيذوب عند تواجد مرضى من عدة اتجاهات في غرفة واحدة لتلقي العلاج دون تمييز.

2- عيادات متنقلة للأحياء المدمرة:

وهو ما يُسمى (طب الطوارئ الاجتماعية) حيث تقوم مديرية الصحة بتسيير رحلات أسبوعية إلى المناطق المُدمرة وتضم كل واحدة منها (طبيب عام وقد يكون اختصاصياً متطوعاً لخدمة أهله مع ممرضين من الجنسين وأدوية أساسية مجانية قد تتبرع بها جهة ما).

3 – كادر طبي مختلط:

العمل لمدة 12 ساعة متواصلة بين كادر أطباء وكادر ممرضين من عدة اتجاهات سيفرض عليهم التعاون ويمنحهم الثقة ببعضهم ويزرع الثقة بينهم وبين المرضى الذين قد ينتمون إلى مختلف الأطراف.

ننتقل الآن إلى التعليم:

على السلطة الحاكمة أن تعي أهمية التعليم كلقاح وحيد لمنع الحرب القادمة لأن أخطر ما تواجهه السلطة الحاكمة في دولة خرجت حديثاً من حرب طائفية وسياسية هو طفل لا يتجاوز العشر سنوات لكنه يتقن خطاب الكراهية والحقد وينشره دون رادع.

والسؤال هنا أيضاً:

من أين نبدأ وكيف ؟

البداية برأيي يجب أن تبدأ من المناطق المختلطة أو ذات التجاور المختلط فتقوم الدولة بإنشاء مدارس مختلطة من أطراف الصراع يتم فيها تدريس نفس المنهاج الذي عملت الدولة الجديدة على صيانته من خطاب الكراهية والطائفية المقيتة والعمل عبر نفس المنهاج على زراعة الشعور بالمواطنة ووحدة المصير لدى الأجيال القادمة على الشكل التالي:

1 – إطلاق مشروع مشترك بين القطاع العام والخاص يستهدف بناء مدارس ينتمي الطلاب فيها إلى خلفيات متعددة برسوم معتدلة وكادر إختصاصي ناجح بحيث يجمع الطلاب مقاعد الدراسة والمنهاج وساحات اللعب وحتى الرحلات المدرسية والهدف الحقيقي من هذا المشروع هو أن يتعود الطالب أن أبناء الطوائف الأخرى يمكن أن يكونوا أصدقاءه دون خوف أو تمييز.

2 – منهاج يركز على رسم صورة التعايش قبل الحرب ومسح صورة الدمار الفكري والمجتمعي مع التركيز أن الحياة المشتركة والمصلحة المشتركة هي الأساس وأن الحرب هي الإستثناء وذكر نماذج عن مسلمين قاموا بحماية مسيحيين في فترة الإضطهاد ومسيحي قام بالتبرع لمسجد عند إعادة إعماره.

3 – مشروع تعليمي وطني:

جامعة حمص هي ثاني أكبر جامعة في سوريا لكن السلطة لم تستثمر فيها أي علاقات وطنية جديدة عبر مِنَحٍ لطلاب المناطق المدمرة وأبناء الشهداء واستثناءات للمعتقلين والجرحى وأبنائهم لأن اجتماعهم في السكن الجامعي هو بداية شبكة علاقات وطنية جديدة.

 وباعتقادي أن السلطة أخطأت عندما تجاهلت وضع خطة واضحة وشفافة للبناء وإعادة الإعمار مع أن خطةً من ثلاث سنوات كانت ستفي بالغرض كمايلي:

1 – السنة الأولى:

خطة طوارئ مع التركيز على إستمرارية العيادات المتنقلة وترميم عدد كاف من المدارس في الأحياء المدمرة بهدف إعادة الأطفال المختلفين إلى مقاعد دراسية ( تجمع ولا تفرق ).

2 – السنة الثانية:

التركيز على عودة المشفى الوطني إلى كامل قدرته الخدمية مع تفعيل عدد من المدارس المختلطة والهدف هنا هو أن يشعر المواطن أن الدولة تعمل بكامل طاقاتها لإعادة الخدمات إلى حياة المواطن بغض النظر عن انتماءه ودينه وعرقه.

3 – السنة الثالثة:

التركيز على الإرتقاء بجودة الخدمات التي وصلت الدولة إليها مع التركيز على تدريب القيادات في مجالي الطب والتعليم على العلاج النفسي الاجتماعي وتعليم المواطنة وطرق العيش المشترك وزرع أفكار الولاء للوطن وليس للأشخاص.

الخلاصة:

المدرسة والمشفى هما نواة الدولة وقوتهما في أداء الخدمات هو قوة للدولة في مؤسساتها، لأن الدبابة قد تحمي الدولة ليوم في حين أن الطبيب والمعلم يحميان الدولة لمئة عام والمواطنون سيدافعون عن الوطن حين يشعرون أن أولادهم في أمان ضمن المدارس وأنهم سيجدون العلاج في مشافي الدولة عند وقوع حالات المرض.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني