السوريون في تركيا ومستقبل الحماية المؤقتة لهم

0 7

مقدمة:

ارتبط لجوء السوريين إلى الأراضي التركية بظروف الحرب في سورية، وازدادت أعداد اللاجئين في السنوات الأولى طلباً للحماية من القصف والقتل إضافة إلى البحث عن فرص عمل لسد حاجات المعيشة اليومية للأسر السورية.

وحسب مديرية الهجرة التركية فقد بلغ عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة (2.296.568) لغاية 2 أبريل 2026.

بينما صرّح وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي في 17 فبراير 2026 أن إجمالي السوريين الذين عادوا طواعية إلى سوريا بلغ (1.366.215).

نينار برس التقت سوريين يقيمون في تركيا ليتحدثوا عن أوضاعهم تحت قانون الحماية المؤقتة:

جهاد صالح الثامر تقيم في تركيا – اسطنبول مع أسرتها تقول:

«قانون الحماية المؤقتة التركي الذي يخضع له اللاجئون السوريون لا يزال معمولاً به، والحكومة التركية لا تجبر اللاجئين السوريين على العودة القسرية إلى بلدهم لمعرفتها بصعوبة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتأمين السكن في سوريا.

إضافة أن أبناء اللاجئين الذين وصلوا إلى تركيا أطفالاً التحقوا بالمدارس التركية وتعلموا فيها مستخدمين اللغة التركية.

هناك تسهيلات من الحكومة التركية للاجئين السوريين فيها لزيارة بلدهم وتفقد أمور تخصهم. لذلك أظن أن هناك حاجة لتعاون بين حكومتي سوريا وتركيا لمعالجة ملف اللاجئين السوريين في تركيا بصورة موضوعية دون تبعات تربك الحكومة السورية الانتقالية».

بالنسبة للدولة التركية التي سهّلت كثيراً لجوء السوريين إلى أراضيها عملت على تنظيم وضع اللاجئين السوريين لتسهيل تقديم الخدمات في أماكن اللجوء بشتى أنواعها، عبر اعتماد مبدأ الحماية المؤقتة. وكان عددهم حسب إحصاءات وزارة الداخلية التركية قبل سقوط النظام الأسدي يتراوح ما بين 2.9-3.1 مليون لاجئ سوري. بينما كانت ذروة أعداد اللاجئين في عام 2021 إذ بلغ تعدادهم 3.73 مليون لاجئ سوري.

مرحلة ما بعد سقوط الأسد

يمكن القول إن سقوط نظام الأسد في الرابع والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2024 وسيطرة قوى الثورة السورية على زمام السلطة في دمشق خلق دافعاً رئيسياً لدى اللاجئين السوريين في تركيا للعودة إلى بلادهم، هذا الدافع يتمثل بعدم الخوف من الاعتقال أو القتل أو الموت تحت القصف.

بعد السقوط تسارعت حركة عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى الوطن، وتشير تقديرات الدولة التركية إلى عودة أكثر من 720 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم بصورة طوعية. في وقت لا تزال فيه سياسة الحماية المؤقتة التركية حيال هؤلاء اللاجئين سارية المفعول مع انفراجات لأوضاعهم وحركتهم داخل تركيا أو نحو تسهيل العودة الطوعية لهم إلى وطنهم. ولا تزال عملية العودة طوعية تستند إلى معايير إنسانية وقانونية.

نينار برس التقت المحامية ميسون محمد التي تقيم مع عائلتها في غازي عينتاب وقالت:

«بالنسبة لنا، كعائلة، لا نرفض العودة إلى سوريا، لكن هناك أولّيات تلزمنا بالبقاء في تركيا أولها التعليم. ابني ولد وتعلم بتركيا، ولغته الدراسية تركية، لا أستطيع أن أنقله إلى نظام تعليمي مختلف ببساطة وأغامر بمستقبله.

توجد مدرسة تركية في دمشق، لكن تكلفتها مرتفعة، خصوصاً لعائلة لديها أكثر من ابن، أو لديها ابن في المرحلة الجامعة.

وأضافت: النقطة الثانية هي العمل. نحن لا نملك منزلاً في سوريا ما سيكلفنا أعباء إيجار منزل إضافة إلى مصاريف المعيشة والتعليم، بينما فرص العمل والدخل ليست واضحة حتى الأن كالموجودة في تركيا. وإذا كانت أسعار إيجارات المنازل في سوريا قريبة من التي في تركيا، فالسؤال الطبيعي: كيف سنتدبر أمور معيشتنا هناك؟

بالنسبة لي، العودة هي قرار مرتبط بالتعليم والعمل والاستقرار. نحن نريد العودة إلى سوريا، لكن بشرط أن نكون قادرين على العيش بشكل معقول، بحيث لا نضطر إلى المغادرة مرة أخرى».

لماذا لم يعد غالبية اللاجئين من تركيا

البحث عن الأمن والسلام عبر عملية اللجوء من الوطن إلى بلد آخر يأتي كهدف رئيس، ولكن هذا الهدف غير كاف لاستمرار الحياة الطبيعية في بلد اللجوء، إذ غالبية اللاجئين هم ممن يعيشون يومهم من تعب عرقهم، أي أنهم في الغالبية يلجؤون إلى بلدٍ آمن للهرب من القتل وفي الوقت نفسه لمتابعة شؤون حياتهم وحاجاتها سواء تأمين المسكن ولقمة العيش وتعليم الأبناء وتوفر الخدمات الصحية…

السوريون الذين لا يزالون في تركيا هم ممن تعتبر ظروف حياتهم في بلد اللجوء في حالة مستقرة، وهذا دافع أساسي إلى لجم حنينهم إلى بلدهم والعودة إليه، هؤلاء اللاجئين هم في حالة تكيّف ملموس في بلد اللجوء سواء ما يتعلق بفرص العمل أو بدراسة أبنائهم الذين تعلموا في مدارس حكومية تركية ودرسوا بلغة بلد اللجوء.

عمالة اللاجئين السوريين

تشير إحصاءات وزارة العمل التركية إلى أن اللاجئين السوريين الحاصلين على إذن عمل يبلغ حوالي مائة ألف شخص. في وقت يبلغ فيه عدد اللاجئين السوريين العاملين من دون إذن عمل قرابة نصف مليون سوري.

هذه العمالة السورية تتركز في قطاعات العمل الصناعي والزراعي والإنشاءات. هؤلاء لا يستطيعون العودة إلى سوريا قبل بدء عملية إعمار البلاد، فهم سيجدون بدائل عن عملهم في تركيا في مشاريع إعادة إعمار وطنهم.

وللحديث عن هذا الموضوع من وجهة نظر ممثلي المجتمع المدني، التقت نينار برس السيدة نضال الشيخ المديرة التنفيذية لمنظمة نساء الغد في ولاية شانلي أورفة التي قالت:

«إن اللاجئين السوريين في تركيا يرتبطون ببلد اللجوء هذا بأعمال يشتغلون فيها، كما أن أبناءهم يدرسون منذ سنوات في مدارسها وجامعاتها، وأن ظروف عودتهم إلى بلادهم لا تزال تحتاج إلى توفر بدائل ملموسة لظروفهم الحالية. إن سوريا التي تحررت من نظام الاستبداد لا يمكن لحكومتها الانتقالية توفير مستلزمات عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. ونعتقد أن عودة اللاجئين السوريين تحتاج إلى وجود استراتيجية اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية وهذا الأمر يحتاج إلى تعاون دولي مع حكومة سوريا الجديدة».

ماذا تستفيد تركيا من عمالة اللاجئين

لا شك أن أجور العمالة السورية في سوق العمل التركي هي أقل بكثير من أجور العمال الأتراك في ذات الأعمال، وهذا يعني ازدياد هامش الربح في عمليات الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو الخدمي، ورغم ذلك، لا يفكّر هؤلاء العمال في المغامرة بترك سوق العمل التركي المستقر إلى سوق عمل بلادهم الذي لم يكتسب الاستقرار بعد.

الاقتصاد التركي الذي ارتفعت نسبة نموه كثيرة بوجود العمالة السورية لا يستطيع التضحية ببساطة بهذه العمالة وأسرها. إن عودة ما يزيد على سبعمئة ألف لاجئ سوري إلى وطنهم تعني بالأرقام شغور ما يزيد عن أكثر من مئة ألف مسكن كان يقطنها سوريون ويدفعون بدل سكنها إلى مالكيها الأتراك. فكيف إذا غادر كل اللاجئين السوريين تركيا على مستوى شغور المساكن من ناحية، وفقدان اليد العاملة الخبيرة على مستوى آخر.

عودة اللاجئين عبء اقتصادي واجتماعي

سوريا أحق بأبنائها اللاجئين الموجودين في البلدان الأخرى، فهي وطنهم الذي يحميهم وفق قانون المواطنة، وهو فضاؤهم الذين يمكنهم من التعبير فيه عن إبداعاتهم والدفع بتطوير بلادهم، ولكن عودتهم في هذه المرحلة الأولى من استقرار البلاد تحتاج إلى توفر عوامل استقرارهم سواء بتأمين السكن أو الخدمات التعليمية أو الصحية أو فرص العمل.

هذا الأمر يمكن مناقشته بين الحكومتين السورية الانتقالية والحكومة التركية، بحيث لا تترك عودة اللاجئين آثاراً سلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والخدمي في كلي البلدين. لهذا لا بدّ من برنامج عمل ملموس لمعالجة قضية اللاجئين السوريين في تركيا بين حكومتي البلدين، بما يعزّز التعاون بينهما ويساهم في حل تبعات اللجوء والعودة.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان”

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني