السوريون في ألمانيا… من الإغاثة إلى الشراكة

0 16

هل تفتح الكفاءات السورية الطريق أمام الاستثمار الألماني في سوريا؟

لم يبدأ حضور السوريين في ألمانيا مع موجة اللجوء التي أعقبت الثورة السورية عام 2011، بل سبقها بعقود، حين استقر أطباء ومهندسون وتجار وأصحاب أعمال وطلاب، وشاركوا في الحياة المهنية والمجتمعية الألمانية. ومع الحرب اتسعت الجالية، وتحولت خبراتها وشبكاتها إلى سند للقادمين الجدد، فيما انخرطت الجمعيات السورية في الإغاثة والعمل المدني والاندماج.

اليوم، ومع التحولات السياسية والاقتصادية في سوريا، يبرز سؤال مختلف: هل يمكن تحويل هذا الرصيد البشري والعلاقات المتراكمة من أدوات للمساعدة إلى جسور للتنمية والاستثمار؟

يرى الدكتور حسن عيد، عضو مجلس إدارة الجمعية الألمانية السورية الحرة في هامبورغ، أن السوريين في ألمانيا يمتلكون رصيداً من الكفاءات والعلاقات يمكن أن يؤدي دوراً اقتصادياً مهماً في المرحلة المقبلة. ويستعيد تجربة «رابطة المغتربين السوريين» قبل الثورة، التي ضمت أطباء ومهندسين وأصحاب أعمال وتجاراً، معتبراً أن هذه الخبرات تشكل أساساً يمكن البناء عليه اليوم.

ويشير عيد إلى أن الجمعية الألمانية السورية الحرة، التي تأسست في هامبورغ في نيسان/أبريل 2012، ركزت خلال سنوات الحرب على دعم السوريين ومساعدتهم في شؤون الحياة والاندماج، إلى جانب النشاط المدني والثقافي. ومع مرور الوقت، تراكمت لدى الجمعيات السورية معرفة بالمؤسسات الألمانية وآليات العمل الأهلي، وهي خبرة يمكن نقلها الآن إلى المجال التنموي والاقتصادي.

من الإغاثة إلى التنمية:

يعتقد عيد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق المساعدة إلى منطق الشراكة. فالجالية لا تملك فقط أموالاً يمكن إرسالها، بل تمتلك أطباء ومهندسين وخبراء في التعليم والاقتصاد وإدارة الأعمال، إضافة إلى شبكة علاقات داخل المجتمع الألماني.

لكن تحويل هذه الطاقات إلى قوة اقتصادية يحتاج إلى تنظيم. ويقترح عيد تشكيل لجان تعاون متخصصة تربط الكفاءات والمؤسسات في البلدين، وتعمل على تبادل الخبرات المهنية والتعليمية، وتحديد المشاريع القابلة للتنفيذ. كما يرى إمكانية الاستفادة من المشاريع التنموية التي تدعمها ألمانيا عبر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وتوسيع مجالاتها بما يخدم احتياجات سوريا.

ويختصر رؤيته بقوله إن «الجالية السورية في ألمانيا هي همزة الوصل والعنصر الفعال الحقيقي» لتبادل الخبرات والكفاءات بين البلدين.

الأمان… الشرط الأول للاستثمار:

خلال زيارة أجراها إلى سوريا قبل أسابيع، يقول عيد إنه شعر بالأمان والاطمئنان، ولاحظ مظاهر واضحة لسلطة الدولة، من وجود الشرطة إلى تنظيم حركة المرور. لكنه يميز بوضوح بين شعور الفرد بالأمان وبين الضمانات التي يحتاج إليها المستثمر.

فالشركة التي تريد بناء مصنع أو إدخال آلات وتجهيزات واستثمار رأس مال كبير لا تعتمد على الانطباع الشخصي، بل تحتاج إلى دولة قادرة على حماية المشروع، وقضاء يمكن الرجوع إليه، وقواعد واضحة تحكم العقود والنزاعات وتحمي رأس المال.

ومن هنا يستحضر عيد القاعدة المعروفة: «رأس المال جبان». فالمستثمر لا يسأل فقط عن حجم الأرباح الممكنة، بل يسأل عما سيحدث لأمواله ومعداته إذا وقع اضطراب أمني أو نزاع قانوني. ويشير إلى أن بعض السوريين المقيمين في ألمانيا، ومن بينهم مواطنون ألمان من أصل سوري، بدأوا بالفعل مشاريع في سوريا، لكن بدرجة من المجازفة، بينما ترتفع المخاطر عندما يتعلق الأمر باستثمارات صناعية كبيرة ومعدات مكلفة.

لماذا تتردد الشركات الألمانية؟

يرى عيد أن قرار الشركات الألمانية لا يرتبط برغبة المستثمر وحدها، بل يتأثر أيضاً بتقييمات المؤسسات الألمانية ونصائحها بشأن بيئة الاستثمار والأمن والاستقرار في الدول التي تتجه إليها الشركات.

لذلك، فإن تحسن الاستقرار، ووضوح سلطة الدولة، واستقلال القضاء، وحماية الملكية والاستثمار، ستكون عوامل حاسمة في تغيير صورة السوق السورية أمام رأس المال الألماني. وهنا يبرز دور السوريين في ألمانيا بوصفهم حلقة وصل عملية: فهم يعرفون المجتمع السوري واحتياجاته، وفي الوقت نفسه يفهمون آليات العمل والمؤسسات في ألمانيا.

الصحة والطاقة والمواصلات:

في تقدير عيد، لا يمكن الحديث عن اقتصاد سوري قابل للنمو من دون إعادة بناء القطاعات الأساسية. وتأتي الصحة والطاقة والمواصلات في مقدمة الأولويات، لأنها ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وبقدرة الاقتصاد على استعادة نشاطه.

لكن الاستثمار في هذه القطاعات يحتاج إلى بيئة مستقرة تضمن استمرارية المشاريع وحماية العاملين ورأس المال. لذلك، فإن إعادة الإعمار ليست مجرد إنشاء أبنية ومنشآت، بل بناء منظومة اقتصادية ومؤسسية تمنح المواطن والمستثمر الثقة.

وهذا التحول يتطلب أيضاً أن تتحول الكفاءات السورية من مبادرات فردية إلى شبكة مهنية واضحة، قادرة على إعداد دراسات الجدوى، وتحديد احتياجات السوق، والتعريف بالفرص المتاحة، ومرافقة المستثمرين، بما يقلل فجوة المعلومات ويمنح الشراكات فرصاً أكبر للنجاح والاستمرار.

الجالية كجسر اقتصادي:

لا يرى عيد أن مستقبل السوريين في ألمانيا يجب أن يبقى مرتبطاً بالإغاثة. فالمرحلة المقبلة، في رأيه، تحتاج إلى تنظيم الكفاءات، وتوسيع الشراكات، وربط الشركات والمؤسسات، وفتح قنوات للاستثمار ونقل المعرفة والتدريب المهني.

أما سوريا، فعليها أن توفر البيئة التي تجعل هذه الطاقات قابلة للتحول إلى مشاريع مستدامة، لا مبادرات فردية محفوفة بالمخاطر. وبين رأس مال يبحث عن الضمانات، وكفاءات سورية تمتلك الخبرة والعلاقات، وبلد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة، يمكن للجالية السورية في ألمانيا أن تتحول من حاضنة للإغاثة إلى جسر اقتصادي فعلي بين البلدين.

وإذا نجحت هذه المعادلة، فقد لا تكون النتيجة مجرد مشروع أو استثمار منفرد، بل بداية لشبكة طويلة الأمد من الشراكات الألمانية/السورية في الصناعة والصحة والطاقة والتدريب والخدمات. وكما يلخص عيد: «الأمان يولد الاطمئنان، وبدونهما لا نجاح لمشروع إعادة البناء».

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني