
«الطفل قد ينسى كثيراً مما نقوله له، لكنه لا ينسى كيف جعلناه يشعر». بهذه العبارة تختصر «غادة أراكيل» خلاصة تجربتها في العمل مع الأطفال في ألمانيا. غادة معلمة سورية، كانت خبرتها في التعليم تتركز على الأطفال من سن السادسة وما فوق، قبل أن توسعها تجربة العمل في الروضة والتدريب إلى التعامل مع أطفال من ستة أشهر إلى ست سنوات، بينهم أطفال من ذوي الإعاقات.
تقول إن الانتقال إلى مرحلة الطفولة المبكرة جعلها تنظر إلى التعليم من زاوية مختلفة. فالروضة، في تجربتها، ليست مجرد مرحلة تسبق المدرسة، وإنما مساحة يتعلم فيها الطفل الاستقلالية والاعتماد على النفس من خلال اللعب والنشاط والتفاعل.
الملاحظة اليومية مهمة جداً
تولي غادة الملاحظة اليومية أهمية كبيرة، لأنها تساعد المربية على متابعة تطور الطفل لغوياً وحركياً وإدراكياً. ومن خلال التفاصيل اليومية يمكن اكتشاف بعض الصعوبات، مثل التأتأة التي قد تظهر بعد بدء الطفل بتكوين الجمل، أو فرط النشاط وضعف التركيز.
لكنها لا ترى في الملاحظة حكماً على الطفل. فالسلوك لا يُفهم من موقف واحد، بل من خلال المتابعة ومعرفة ما إذا كان التغير عابراً أم متكرراً. وإذا كان الطفل في عمر يسمح له بالتعبير، يمكن طرح أسئلة غير مباشرة تساعد على فهم ما يحدث معه، ثم يأتي التواصل مع الأسرة عندما تكون هناك حاجة إلى معلومات أو تعاون.
وتؤكد أن التعاون يكون أكثر فاعلية عندما تقوم العلاقة على الصدق والوضوح والالتزام، وأن ما يتعلمه الطفل في الروضة يمكن أن ينعكس في المنزل، كما أن ما يعيشه في المنزل قد يظهر في الروضة.
ليس كل الأطفال يتعلمون بالطريقة نفسها
تقول غادة إن العمل اليومي جعلها أكثر انتباهاً إلى الفروق بين الأطفال. فطفل قد يستجيب للشرح، بينما يتفاعل آخر بصورة أفضل مع اللعب أو النشاط، وقد يحتاج ثالث إلى وقت أطول حتى يشارك.
ولهذا، ترى أن مهمة المربي ليست جعل الأطفال متشابهين، بل البحث عن الطريقة التي تساعد كل طفل على التعلم وفق قدراته. وقد اتسعت هذه الرؤية لديها من خلال التعامل مع أطفال ذوي إعاقات عقلية أو جسدية؛ ففي بعض الحالات يمكن دمج الطفل مع بقية الأطفال، بينما يحتاج في حالات أخرى إلى مساعد يتولى دعمه تحت إشراف المسؤول الأساسي عنه.
وتقول إن هذا النوع من العمل علمها أن تبدأ بالسؤال عما يستطيع الطفل فعله، لا عما يعجز عنه، وأن تبحث عن الطريقة التي تمكنه من المشاركة.
اللعب يفتح باب التواصل
اللغة الألمانية، بحسب غادة، «مهمة جداً» وشرط أساسي لممارسة المهنة بصدق وحرفية؛ لأن المربي قد يستطيع أداء مهامه اليومية، لكنه من دون لغة جيدة يفتقد جانباً أساسياً من التواصل.
ومع ذلك، لم ترَ في اللغة حاجزاً دائماً أمام الطفل. ففي المؤسسة التي تعمل معها يوجد عاملون يتحدثون لغات متعددة، كما يمكن الاستعانة بشخص يتقن الألمانية عندما تحتاج الأسرة إلى شرح قواعد المؤسسة أو إجراءاتها.
أما الأطفال، فتقول إن اللعب يتيح لهم التواصل حتى عندما تكون لغتهم الألمانية محدودة، وقد تمكن كثير منهم من اكتساب اللغة خلال فترة قصيرة، من دون أن تمنعهم البداية اللغوية من المشاركة مع الآخرين.
وتلاحظ غادة كذلك أن من سبق له تعلم لغة ثانية قد يكون أكثر تفهماً أحياناً للطفل الذي يبحث عن كلماته، وإن كانت ترى أن ذلك لا ينطبق على الجميع.
الواقع مختلف عن الورق
من دروس التجربة أيضاً أن التطبيق العملي أكثر تعقيداً من الحالات النظرية. فوجود عدد كبير من الأطفال مع قلة عدد المربيات، أو غياب أحد العاملين، قد يفرض على المربية أن تتولى مهام إضافية أو تعدل النشاط المخطط له.
وتقول غادة إن المربية تستطيع المبادرة عندما تمتلك الخبرة، لكن من المهم أن تعرف متى تستشير الإدارة أو زميلاً أكثر خبرة، خصوصاً إذا كانت المبادرة الأولى غير ناجحة.
وتعتبر أن هذه الخبرة وسعت مهاراتها في التعامل مع أطفال من ثقافات ولغات مختلفة، ومع الأطفال ذوي الإعاقات، وأضافت إلى خبرتها الأساسية في التعليم مهارات جديدة في التواصل واختيار الأساليب المناسبة.
ما الذي يمكن أن يبقى للطفل؟
لا ترى غادة أن التجربة تعني نقل نموذج تعليمي كامل من بيئة إلى أخرى. ما يستحق الاستفادة، في نظرها، هو ما يساعد الطفل: التعلم القائم على الفهم واللعب والمرح، والانتباه إلى الفروق الفردية، وإتاحة رياض الأطفال للأطفال على اختلاف ظروفهم، بمن فيهم الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة.
وتختصر ما تريد الاحتفاظ به من تجربتها في ثلاث كلمات: الأمان والاستقرار، والتعليم الداعم القائم على الفهم، ثم بناء الانتماء والأمل والقدرة على المشاركة. فالطفل الذي مر بتجارب قاسية، كما ترى، لا يحتاج فقط إلى أن ينسى، بل إلى بيئة تمنحه الاستقرار، وتساعده على التعبير عن مشاعره، والتعاون، وبناء تصور للمستقبل.
أما الخبرة التي تريد أن تحملها معها، فهي طريقة التعامل مع الطفل: الاستماع إلى مشكلاته ومحاولة حلها بدل لومه أو تهميشه، وتشجيعه على فهم مستقبله وبناء شخصيته.
وتقول غادة: «تعلمت أن التربية ليست مجرد مهنة أو نقل للمعلومات، بل هي قبل كل شيء بناء علاقة آمنة مع الطفل، والاستماع إليه، وفهم احتياجاته واحترام اختلافه».
ثم تعود إلى عبارتها التي تختصر تجربتها كلها: «الطفل قد ينسى كثيراً مما نقوله له، لكنه لا ينسى كيف جعلناه يشعر».