الخصخصة الاقتصادية السورية، هل هي تجربة فريدة أم مجرد تجاهل لآلام السوريين؟

0 24

1- معنى الخصخصة الاقتصادية

عملية الخصخصة بحد ذاتها ليست جريمة أو عيباً أو حراماً، بل هي أحد أساليب تحسين أداء مؤسسات وشركات القطاع العام عن طريق نقل الإدارة إلى متعهد من القطاع الخاص وبقاء الملكية للدولة.

2- المراهقة الاقتصادية الحالية

في سورية، تروج الحكومة الانتقالية للخصخصة بطريقة غريبة. إنها فوضى تامة، وأقرب إلى لعبة المراهقين. هذا هو حكمنا البديهي على ما يتم ممارسته أو ما يتم تداوله في الحكومة الانتقالية بشأن الخصخصة. هذا الوصف جزء منه عاطفة غير منضبطة، وجزء منه معلومات منقوصة، وجزء منه تصرف مظهري وقتي كما يتصرف المراهق لجذب انتباه بنت الجيران الحلوة.

لقد كثرت في الآونة الأخيرة التصريحات الرسمية لمسؤولين عن نية الحكومة الانتقالية في تخصيص قطاع ما هنا وهناك. وهذه التصريحات ليست عبثية وإنما تنبع من حقيقة واحدة، أن النية المبيتة لدى الحكومة هي فعلاً خصخصة اقتصاد سورية بالكامل بدون إعلام السوريين.

3- جس النبض سياسة حكومية

وبقناعتي هذه التصريحات المتناثرة ليست إلا رأس جبل الجليد الذي ينبئ عن خطة سرية حقيقية للخصخصة في سورية، دون الإعلان الحكومي الرسمي عن برنامج الخصخصة ذاك. أو دون تسمية القطاعات والمؤسسات العامة المستهدفة. ولأن الحكومة غير واثقة من توجهها، تمارس سياسة جس نبض الشعب السوري. أولاً عن مدى قبوله التسريبات المعلنة حول خطوات خصخصة هنا وأخرى هناك ما يربك المتابع. ولا نعلم إن كانت هذه هي سياسة الحكومة الانتقالية حقاً – وغالباً هي فعلاً كذلك – أم أنها فقاعات إعلامية ومبادرات منفردة لمسؤولين أقوياء داخل السلطة.

4- كارثة خصخصة الكهرباء

هذه أكبر مجزرة اقتصادية بدأت ترتكب بحق الفقراء الذين يشكلون غالبية السوريين، فقد أعلنت الحكومة عن مشاريع ضخمة مع مستثمرين في قطاع الكهرباء. وهذه تعني ضمنا خصخصة فعلية لكل نشاط جديد في الكهرباء.

والدليل أن الحكومة لا تعرف كيف تقيس ردة الفعل على تسعيرة الكهرباء المبالغ بها بحسب فقر السوريين. فرغم أن الشعب بالإجماع رفض هذه التسعيرة إلا أن الحكومة قد أصمت آذانها تماماً ولم تسمع حتى المظاهرات المنددة في ساحة يوسف العظمة. وإذا استمرت الحكومة بعنادها فمن غير المستبعد تحول نحو 50% من المشتركين إلى الطاقة البديلة بعيداً عن كهرباء الحكومة في غضون سنتين على الأكثر. عندها ستكون الخسارة في قطاع الكهرباء مضاعفة، حتى لو تم تخصيصه بالكامل.

5- خصخصة خدمات النفط والتوزيع

كانت حكومة حافظ تخبر السوريين حينها أن النفط في أيد “امينة”. ولم يعرف أحد من هي أمينة ولا لونها ولا موطنها.

بعد انسحاب ميليشيات الأكراد من معظم مناطق المنطقة الشرقية، وتحرير حقول النفط في دير الزور ظهرت نزعة حكومية غير معلنة بتخصيص خدمات النفط إنتاجاً وتوزيعاً وتسويقاً من قبل شركات خاصة مملوكة لأفراد من السلطة أو تعمل بمثابة وكيل لهم. ولا يعرف أحد من السوريين وخاصة أبناء دير الزور نوع وطبيعة هؤلاء المقاولين السريين.

والحديث عن النفط ودير الزور ذو شجون وآلام لا يمكن التوسع بها هنا.

6- خصخصة المشافي العامة

خرج علينا أحد المسؤولين الكبار بتصريح مفاده ان الحكومة سوف تقوم بخصخصة نحو 71 مستشفى حكومياً، وتكليف شركات استثمارية تركية بإدارة هذه المستشفيات من أجل تحسين أدائها.

وكلمة تحسين أدائها هي كلمة حق أريد بها باطل (أريد بها التمهيد للخصخصة). والمستشفيات العامة تحظى بالدعم والرعاية في أكثر الدولة رأسمالية وليبرالية لأنها مؤسسات خدمات عامة منخفضة التكلفة أو مجانية موجهة لمساعدة الفقراء. ولم يخرج مسؤول مهم ينفي هذه الخطة أو هذا التوجه وإنما تركت مهمة الشرح والنفي للذباب الإلكتروني ليفسر الأمر بغموض جديد، رغم رفض الشعب ضد هذا التوجه.

ولا يوجد بلد في العالم قد فكّر في خصخصة المستشفيات الحكومية إلا في البلاد التي ينخرها الفساد مثل روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فقد شرعت الحكومة الروسية حينها ببيع كل شيء للمافيات الفاسدة. وخلال سنين قليلة انهارت الصحة العامة. وظهر عشرات المليارديرات الأثرياء جداً من فراغ ومن سرقة الأموال العامة.

7- خصخصة مؤسسات وزارة الصناعة

هذ هي الجريمة المنسية. لقد تعرضت مؤسسات وشركات وزارة الصناعة وهي بالعشرات الى حالة غريبة من الخصخصة من الإهمال الشديد، والنسيان، والتوزيع العشوائي لأصول عدد من الشركات لصالح أفراد وشركات خاصة بصورة غامضة. وهذه الشركات العامة تملك أصول عقارية ثمينة تغري الفاسدين. إذا لم يكن هنالك قانون ينظم الخصخصة عن طريق نقل الإدارة إلى القطاع الخاص فإن أموال الدولة تكون قد نهبت وضاعت.

8- خصخصة مؤسسات التجارة

هنالك خطط غير معلنة حول شركات المؤسسة “الاستهلاكية السورية” بتحويلها من مؤسسات حكومية تساعد على توفير سلع استهلاكية بأسعار التكلفة أو أسعار منخفضة إلى شركات خاصة تتاجر بذات السوق. والإشاعات تقول بان الحكومة ستقوم بتكليف شركات خاصة بتطوير أداء فروع المؤسسة التي تتجاوز مئة فرع. وبكلمة أدق فإن المؤسسة الاستهلاكية ستكون شركة قطاع خاص في مجال البيع بالتجزئة والجملة. أي أنها ستكون مثل أي شركة خاصة يهمها الربح أولاً وليس تقديم سلع رخيصة للأسر الفقيرة.

وهنالك الكثير من المؤسسات والشركات الحكومية الكبيرة الصغيرة وفي قطاعات مثل الزراعة، تباد في الظلام بل سحقت حتى بدون علم حراسها.

9- زبدة الكلام

أيها الحكومة الانتقالية الموقرة: توقفي عن التلاعب بأموال السوريين. نطالب بوقف كل محاولات الخصخصة. نعم. وقف تام للخصخصة حتى يتشكل مجلس نواب ديمقراطي حر ونزيه يشرع ويراقب هذه الخصخصة السورية “الفريدة” والغريبة في نوعها. هل يعقل أن يقوم مسؤول تنفيذي لوحده بتقرير مصير دولة كاملة دون رقيب أو حسيب. هذه سمها ما تشاء، ولكنها ليست خصخصة حتى على الطريقة الأمريكية.

على الحكومة الانتقالية أن تعلن وقفاً تاماً شاملاً لكل الخطوات والإجراءات التي تمس سلامة الممتلكات العامة والأصول الحكومية. أي وقف كل أنواع الخصخصة. ثم وضع برنامج خصخصة عام واضح وصريح وأن يعرض على الشعب لإقراره وإنشاء جهة عامة للإشراف عليه وتقييم ومتابعة أي إجراء للخصخصة حفاظاً على أصول الدولة ومصالح الناس والنزاهة الاقتصادية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني