الحدود الرخوة.. كيف يؤثر سلاح حزب الله في معادلة الأمن السوري

0 14

يُكرّر الرئيس ترامب أقواله، منذ مدة ليست بالبعيدة، على أنّ لسوريا ورئيسها دوراً ما في التعامل مع قضية سلاح حزب الله في لبنان، وقد كرر نفس العبارات خلال اجتماعاته مع الرئيس السوري والرئيس اللبناني. وقد أكد الرئيس السوري في أحاديث علنية أنه مع إقامة أفضل العلاقات مع الدولة اللبنانية (كدولة مؤسسات)، وليس مع فعاليات أو أطراف وزعامات أهلية، وهو يريد بهذه السياسة تدشين مرحلة من العلاقات تتجاوز سلبيات أو خطايا المراحل السابقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، خاصة في حقبة نظام الأسد البائد، وهو نهج جديد فاجأ اللبنانيين والعالم، لأنّ للرئيس السوري شعبية طاغية بين السنة في لبنان، ولم يظهر أنه راغب في أن تكون علاقته معهم تختلف عن غيرهم، والذين لم يتمكنوا من إيجاد قائد لهم بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري. ومن أسباب تلك الشعبية الشعور بسند قوي سني لهم في سوريا، بعد أن سيطر كابوس الأسد عليهم لعقود، والذي كانت محور سياساته في لبنان وسوريا والإقليم تهميش وتشهيم السنة.

ظهر لهم قائداً أموياً في دمشق، كان في صراع مرير مع عدو مشترك لهم هو حزب الله ونظام الأسد، وتمكن من هزيمتهم وإلقائهم في مزابل التاريخ.

يحتفظ سنة لبنان بسنوات من المظلومية، ورأوا أنّ الرئيس الشرع هو القائد السني القوي الذي يجب التحلّق حوله ومبايعته، خاصةً أنّ لهم ثأراً كبيراً عند خصومهم من حزب الله، والذين تم إدانتهم بقتل زعيمهم الحريري قبل أن تُثبت ذلك المحكمة الدولية الخاصة بسنوات.

حتى إنّ جلّ مسيحيي لبنان وبعض من الدروز رأوا في الرئيس الشرع بطلاً سورياً تمكن من هزيمة نظام الأسد عدوهم اللدود والتاريخي، والذي يستقوي حزب الله به عليهم. بل إذا راجع أيّ منهم التاريخ القريب لاكتشف دون عناء أنه لولا وجود الأسد الأب في سوريا ولبنان، لما تمكنت إيران الملالي من زرع نواة الحزب في لبنان ورعايتها.

وكابوس حزب الله في لبنان على اللبنانيين هو ككابوس نظام الأسد على السوريين، حيث بتحكّمه بالقرار الأمني والعسكري والسياسي في لبنان أوصل البلد إلى مرحلة الخراب والدمار التي يعيشها لبنان.

لا تنطلي شعارات المقاومة والممانعة على أحد من سكان الإقليم (السنة وغير السنة) التي ترفعها أذرع إيران، ويدرك الجميع وبالتجربة كيف أنّ تلك الأذرع تعمل بوحي وقرار الحرس الثوري الإيراني وتُنفّذ إستراتيجيته لإنشاء إمبراطورية مذهبية تُسمى الآن الهلال الشيعي. وخلال العقود الخمسة المنصرمة من عمر دولة ولاية الفقيه، حاربت إيران العرب السنة بضراوة وحقد ولؤم إلى حد القتل على الهوية المذهبية، لتكريس سيطرتها على الإقليم، وقوّضت استقرار تلك الدول السنية المحيطة بها، ودعمت حتى النخاع نظام الأسد البائد والذي أسقطه السوريون رغماً عنها. ومنذ سنوات كان يفاخر حسن نصر الله بكل وقاحة بأنّ طريق القدس يمر من القصير وحلب ودير الزور، ومارس خلال سنوات الثورة أبشع الجرائم بحق الشعب السوري نُصرةً لنظام الأسد. لذلك لا تخدع شعارات المقاومة أحداً من السوريين. كذلك كانت ممارسات الحشد الشيعي في العراق وميليشيا الحوثي في اليمن بنفس السياسات بحق العراقيين واليمنيين.

ولن تستطيع شعارات إيران ومحورها إخفاء الوجه الحقيقي للمشروع الإيراني. حتى إنّ الاصطدام مع المشروع الغربي في المنطقة كان بسبب فشل التخادم بينهما، حيث لم ترضَ إيران بالحصة المعروضة عليها من الولايات المتحدة، وأرادت التهام الكعكة كلها بمفردها دون قسمة مع أحد.

ويعلم الجميع أنّ التخادم الأمريكي مع المشروع المذهبي الإيراني كان خطة إستراتيجية أمريكية بعد أيلول 2001، حيث كانت المبررات لتخادم أو التقاء مصالح الأمريكيين مع إيران هو وجود عدو مشترك وهو العالم السني، وإن كان على الإعلام يظهر أنّ العدو ليس السنة عموماً بل الجهاديون منهم، وهي سذاجة لا تنطلي على أحد.

قويت إيران وتمدّدت ليس بفضل قواها الذاتية أو تشتّت خصومها العرب، بل بتدخل واضح من الولايات المتحدة لتقويتها. وبالطبع لا يُغرم الأمريكيون بنظام الملالي (كما كان يعبر عن ذلك الرئيس أوباما)، بل لتوظيف المشروع الإيراني بِرمّته لخدمة إستراتيجيات كبرى للأحادية القطبية الأمريكية.

أزاح الأمريكيون نظامي طالبان والرئيس صدام من حول إيران، واللذان شكلا عائقاً بوجه أيّ تمدد إيراني خارج الحدود، وتم تسليم العراق بثرواته وموقعه الجيوسياسي على طبق من ذهب للحرس الثوري.

منع الأمريكيون عاصفة الحزم بقيادة السعودية من إنهاء الحوثي في الحديدة على البحر الأحمر، وكان ولا يزال شوكة في خاصرة المملكة وباقي دول الخليج، وأصبح الآن بفعل السياسات الأمريكية الخاطئة مصدر تهديد للتجارة العالمية. وحظيَ الحشد في العراق برعاية أمريكية وصلت حد التحالف معه كقوة أرضية في محاربة تنظيم الدولة الإرهابي، وتم دعمه أمريكياً، ولم يفعل الأمريكيون شيئاً لوقف نهب منظومة الحكم العراقية الشيعية للموارد العراقية وتجييرها لصالح المشروع الإيراني، وكان بمقدورهم منع ذلك. كل ذلك جرى لتشهيم السنة العرب العراقيين.

وكما يُشكّل الحشد العراقي والحوثي في اليمن خطراً مباشراً بل عدواً إستراتيجياً لدول الخليج العربي، وخاصةً المملكة العربية السعودية، ويُحركهم الحرس الثوري لابتزاز دول المنطقة، كذلك سيفعل حزب الله مع سوريا وسيبتزها لاحقاً عندما يخفّ الضغط الإسرائيلي عليه، وتحصل صفقة كبرى ما في المنطقة، وممكن ألا تحصل تلك الصفقة وتكون الحرب صفرية.

وفي الإستراتيجيا، لا يمكن أن يكون حزب الله إلا عدواً إستراتيجياً للدولة السورية، التي له معها ثأر تمريغ وجهه في التراب السوري، وممكن أن يستهدف أي منشأة أو موقع إذا كانت إحدى مواقف سوريا لا تعجبه. والحزب يحتضن شتى أصناف الفلول، ويؤمن الدعم المادي واللوجستي لهم، ويقيم لهم في مناطق سيطرته في لبنان ملاذات آمنة ومراكز إمداد وتموين. ومعروفة أيضاً المخيمات الجديدة في البقاع التي أقامها للفلول، ومعروف أيضاً السعي الدائم لإضعاف الاستقرار (بكل أنواعه) في سوريا لتسهيل مرور السلاح من العراق إلى لبنان. وقد أعلنت السلطات السورية عن عدة عمليات نفذتها خلايا تابعة للحزب داخل سوريا، وأعلنت عن عمليات ضبط أسلحة ومخدرات قادمة للحزب أو خارجة من لبنان. وبالطبع ما لا يتم الإعلان عنه أكبر بكثير.

وتحول الحزب إلى مصدر قلق دائم للأمن السوري حاضراً ومستقبلاً أيضاً، وهو أمر غير قابل للنقاش.

أعتقد أن تقديم طلب رسمي ومعلن في يوم ما من الحكومة اللبنانية إلى الحكومة السورية لمساعدتها في حصر السلاح بيد الدولة وتخليص لبنان من الميليشيات والاحتلال الإيراني غير المباشر، سيلقى قبولاً من الحكومة السورية. ولن يكون ذلك إلا تصرفاً قانونياً رزيناً يؤدي إلى مصلحة مشتركة للدولتين والشعبين.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني