الجغرافيا تعود إلى الحكم

0 56

في عالم اعتقد كثيرون أنه تجاوز حدود الجغرافيا بفعل الثورة الرقمية والعولمة والتقدم التكنولوجي، جاءت التطورات الدولية الأخيرة لتؤكد أن الجغرافيا لم تغادر المسرح يوماً، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتعود بوصفها العامل الأكثر تأثيراً في صناعة القرار الدولي.

 فما شهدناه خلال الأشهر الماضية من توترات متصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من تفاهمات أولية فتحت الباب أمام مرحلة تفاوض جديدة، لم يكن مجرد خلاف سياسي أو أمني عابر، بل كان دليلاً جديداً على أن الجغرافيا لا تزال تحكم حركة الدول ومصالحها واستراتيجياتها الكبرى.

لقد أظهرت الأزمة المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز أن العالم، رغم كل ما حققه من تطور، ما زال يعتمد على عدد محدود من الممرات الاستراتيجية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي.

 فبمجرد أن تعرضت حركة الملاحة للتهديد، ارتفعت المخاوف الدولية بشأن إمدادات الطاقة واستقرار الأسواق وسلاسل التوريد العالمية، لتكتشف القوى الكبرى مجدداً أن أمنها الاقتصادي مرتبط بصورة مباشرة بأمن تلك الممرات المائية.

ومن هنا يمكن فهم السياسة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران خلال المرحلة الماضية.

فبعيداً عن الضجيج الإعلامي والتصريحات المتبادلة، يبدو أن واشنطن اعتمدت استراتيجية تقوم على الضغط المتدرج والصبر السياسي، بهدف دفع طهران نحو طاولة التفاوض من موقع مختلف عن ذلك الذي كانت تتحرك منه في السابق.

ولم يكن الهدف، كما تصور بعضهم، الذهاب إلى حرب مفتوحة بقدر ما كان يتمثل في إعادة صياغة التوازنات وفرض وقائع جديدة تدفع المجتمع الدولي إلى تبني رؤية أكثر قرباً من المقاربة الأمريكية للملف الإيراني.

واليوم، وبعد التوصل إلى تفاهمات أولية ومذكرة تفاهم تمهد لفترة تفاوض تمتد ستين يوماً بين واشنطن وطهران، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة قد تحمل فرصاً لتخفيف التوتر، وإن كانت لا تزال مليئة بالتحديات والتفاصيل المعقدة.

فالاتفاقات الأولية لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن استمرار التصعيد يهدد مصالح الجميع ويضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر لا يمكن الاستهانة بها.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأزمة تتجاوز حدود العلاقة الأمريكية الإيرانية.

 فالدرس الأبرز الذي خرج به العالم يتمثل في عودة الممرات الاستراتيجية إلى صدارة الحسابات الدولية.

لقد أعادت الأزمة إحياء واحدة من أهم النظريات الجيوسياسية التي عرفها التاريخ الحديث، ومفادها أن السيطرة على طرق التجارة والطاقة لا تقل أهمية عن السيطرة على الموارد ذاتها.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من ثروات أو جيوش، بل أيضاً بقدرتها على حماية وتأمين المسارات التي تعبر من خلالها التجارة والطاقة والمصالح الاقتصادية العالمية.

ولعل هذا ما يفسر التنافس المتزايد على الممرات البحرية والمناطق الاستراتيجية حول العالم، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن البحر الأسود إلى المحيط المتجمد الشمالي.

 فالقوى الكبرى تدرك أن الصراع على النفوذ في المستقبل لن يكون فقط على الموارد، بل على الطرق التي تنقل تلك الموارد إلى الأسواق العالمية.

ولذلك نشهد سباقاً متنامياً لإعادة رسم خرائط النفوذ وفق اعتبارات جغرافية واقتصادية جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للصراع.

وفي خضم هذه التحولات الكبرى، بدأ العالم يبحث بصورة أكثر جدية عن بدائل للمسارات التقليدية لنقل الطاقة والتجارة.

فكل أزمة تصيب الممرات البحرية تدفع صناع القرار والمستثمرين إلى التفكير في خيارات أخرى أكثر استقراراً وأقل عرضة للاضطرابات الأمنية.

ومن هنا عاد الحديث بقوة عن الممرات البرية وخطوط الأنابيب العابرة للدول، وعن أهمية بناء شبكات نقل متعددة المسارات تضمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة حتى في أوقات الأزمات.

ولعل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول يتمثل في تنامي الاهتمام بمشروعات الربط البري والسككي بين دول المنطقة.

فبعد أن كشفت أزمة مضيق هرمز والاضطرابات التي طالت بعض الممرات البحرية حجم المخاطر المترتبة على الاعتماد المفرط على النقل البحري، عاد الحديث بقوة عن أهمية تطوير شبكات النقل البرية والسكك الحديدية العابرة للحدود باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية المشاريع الطموحة الهادفة إلى ربط شبه الجزيرة العربية بتركيا وأوروبا عبر شبكة حديثة من الخطوط الحديدية تمر عبر الأراضي السورية بعد تطوير الشبكات القائمة وتحديثها بما يتناسب مع متطلبات التجارة الحديثة.

فمثل هذه المشاريع لا تقتصر أهميتها على نقل الركاب، بل تمتد لتشمل حركة البضائع والحاويات والمنتجات الصناعية والزراعية، بما يتيح إنشاء ممر اقتصادي متكامل يربط الخليج العربي بالأسواق الأوروبية عبر أقصر المسارات البرية الممكنة.

ومع التطور المستمر في تقنيات النقل السككي والخدمات اللوجستية، أصبحت هذه المشاريع تمثل ركيزة مهمة في استراتيجية تنويع طرق التجارة العالمية وتقليل المخاطر الناجمة عن الأزمات البحرية.

صحيح أن السكك الحديدية لا يمكن أن تحل محل النقل البحري بصورة كاملة، إلا أنها قادرة على توفير بدائل فعالة لجزء مهم من حركة التجارة والشحن الاستراتيجي، الأمر الذي يمنح الدول والشركات مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية المفاجئة.

كما أن عودة الحديث عن إحياء خطوط نقل الطاقة العابرة للأراضي السورية نحو البحر الأبيض المتوسط لم تعد مجرد أفكار نظرية، بل أصبحت جزءاً من النقاشات الاستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة العالمي.

فكلما ارتفعت المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة، ازدادت جاذبية المسارات البرية الآمنة والقادرة على تأمين تدفق الطاقة والتجارة بصورة أكثر استقراراً واستدامة.

ومن هنا تتعاظم أهمية الموقع السوري في أي رؤية مستقبلية لشبكات النقل والطاقة الإقليمية.

فالموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به سوريا منحها عبر التاريخ مكانة استثنائية باعتبارها نقطة التقاء بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، وجعل منها عقدة طبيعية للتبادل التجاري وحركة النقل والطاقة بين الشرق والغرب.

ومنذ تولي الرئيس أحمد الشرع مسؤولية قيادة المرحلة الجديدة في سوريا، تبنت الدولة السورية نهجاً مختلفاً يقوم على ترسيخ الاستقرار الداخلي والانفتاح على محيطها العربي والإقليمي والدولي، والعمل على إعادة بناء مكانة سوريا باعتبارها شريكاً في صناعة الاستقرار لا ساحة للصراعات.

وقد ساهم هذا النهج في تعزيز الثقة الدولية والإقليمية بإمكانية عودة سوريا إلى أداء دورها الطبيعي في المعادلات الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة.

لقد أدرك الرئيس أحمد الشرع منذ البداية أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لصناعة النفوذ، وأن الجغرافيا تتحول إلى مصدر قوة حقيقي عندما تقترن بالاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة والرؤية الاستراتيجية الواضحة.

 ولذلك ركزت الدولة السورية خلال المرحلة الماضية على إعادة بناء علاقاتها الخارجية وتهيئة البيئة اللازمة لتحويل سوريا إلى نقطة وصل بين المشاريع الاقتصادية الكبرى التي يجري الحديث عنها في المنطقة.

ومع تزايد أهمية الممرات البرية وشبكات الطاقة والنقل العابرة للقارات، لم يعد استقرار سوريا شأناً سورياً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي والدولي.

فالدولة التي تقع في قلب تقاطع الطرق التجارية ومشاريع الطاقة الكبرى لا يمكن فصل أمنها واستقرارها عن أمن واستقرار محيطها الأوسع.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الاهتمام المتزايد الذي تبديه الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية والإقليمية تجاه سوريا في المرحلة الراهنة، ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضاً انطلاقاً من إدراك متزايد للدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا المستقرة في حماية المصالح الاقتصادية الدولية وتأمين مسارات التجارة والطاقة المستقبلية.

وفي ظل الرؤية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، والقائمة على تحويل الموقع السوري من ساحة تنافس وصراع إلى منصة للتعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، تزداد فرص استعادة سوريا لدورها التاريخي بوصفها عقدة وصل استراتيجية بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا، وبين مصادر الطاقة والأسواق العالمية.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الجغرافيا لم تمت كما تصور بعضهم، بل عادت لتفرض نفسها بوصفها المحدد الأهم في رسم خرائط النفوذ والقوة خلال العقود المقبلة.

 وبينما تتجه القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها وفق معادلات الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية، تبدو سوريا الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، أمام فرصة تاريخية لتحويل موقعها الجغرافي إلى رافعة للتنمية والاستقرار والشراكة الدولية.

وفي النهاية، فإن الدرس الأهم الذي تقدمه التطورات الراهنة هو أن الدول التي تحسن قراءة الجغرافيا هي الأكثر قدرة على صناعة المستقبل.

وفي عالم تعود فيه الممرات الاستراتيجية إلى صدارة المشهد، وتستعيد فيه الجغرافيا مكانتها في تحديد موازين القوى، تبدو سوريا مؤهلة لاستعادة دورها الطبيعي بوصفها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الإقليمي، وشريكاً فاعلاً في رسم ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ المنطقة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني