التطبيل أزمة انتماء تفسّر كثرة التكويع في مجتمعاتنا

0 70

عندما تتغير الأنظمة أو تتبدل موازين القوى في العالم العربي، يلفت الانتباه العدد الكبير من الأشخاص الذين ينتقلون بسرعة من موقع سياسي إلى نقيضه. فالمؤيد المتحمس يصبح معارضاً شرساً، والمدافع عن السلطة يتحول إلى ناقد لها، وكأن المواقف السابقة لم تكن موجودة. وغالباً ما يُفسَّر ذلك بالانتهازية أو السعي وراء المصلحة، لكن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، لا يلامس الجذر الحقيقي للمشكلة.

المسألة في جوهرها تتعلق بطبيعة الانتماء السياسي ومعنى الدولة نفسه. ففي الدولة الحديثة يوجد تمييز واضح بين الدولة والنظام السياسي والحكومة. الدولة هي الكيان الدائم الذي يضم الأرض والمؤسسات والقانون والمجتمع، أما النظام السياسي فهو الطريقة التي تُدار بها هذه الدولة، بينما تمثل الحكومة الفريق الذي يتولى الإدارة لفترة محددة. لذلك يمكن أن تتغير الحكومات والرؤساء والأحزاب مرات عديدة دون أن يشعر المواطن بأن وطنه قد سقط أو أن الدولة قد انتهت.

أما في كثير من المجتمعات العربية، فما زال هذا التمييز ضعيفاً. فالدولة غالباً ما تُختزل في النظام، والنظام يُختزل في الحاكم أو الحزب أو الجماعة المهيمنة. ولهذا يصبح الولاء للسلطة مرادفاً للولاء للوطن، ويُنظر إلى معارضة النظام أحياناً على أنها معارضة للدولة نفسها. وعندما يحدث هذا الخلط، يتحول الانتماء من ارتباط بمؤسسات دائمة إلى ارتباط بأشخاص وقوى متغيرة.

من هنا يمكن فهم التطبيل السياسي بوصفه أزمة انتماء قبل أن يكون مجرد سلوك دعائي. فالمطبّل لا ينطلق عادة من ولاء لمجموعة من المبادئ أو القيم العامة، بل من ارتباط بمركز القوة القائم. إنه يربط موقفه بالمتحول لا بالثابت، بالسلطة لا بالدولة، بالحاكم لا بالمؤسسة. ولذلك فإن موقفه يبقى مستقراً ما دامت السلطة مستقرة، لكنه يصبح قابلاً للتغيير فور تغير موازين القوة.

ولهذا السبب لا يبدو التكويع حدثاً استثنائياً، بل نتيجة منطقية لمسار سابق. فمن ربط انتماءه بالسلطة سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة تموضعه كلما تغيرت السلطة. أما من ربط انتماءه بالدولة والمجتمع والقانون، فسيكون أكثر قدرة على الحفاظ على موقفه حتى في أوقات التحولات الكبرى. فالفرق بين الحالتين ليس فرقاً في الذكاء أو المصلحة، بل في موضوع الولاء نفسه.

إن كثرة التكويع في مجتمعاتنا لا تعكس فقط ضعف الالتزام بالمبادئ، بل تكشف أيضاً هشاشة العلاقة بين المواطن والدولة. فحين تكون الدولة مجرد امتداد للحاكم، يصبح تبدل الولاءات أمراً عادياً. أما حين تصبح الدولة مؤسسة مستقلة عن الأشخاص، فإن تغيير الحكومات يتحول إلى ممارسة سياسية طبيعية، بينما يبقى الانتماء ثابتاً. ولذلك فإن مواجهة التطبيل لا تبدأ بإدانة المطبّلين، بل ببناء دولة يشعر المواطن أن ولاءه فيها موجّه إلى الوطن ومؤسساته، لا إلى من يشغل مقعد السلطة في لحظة معينة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني