
الأمن المائيّ أولويّة وجوديّة
لطالما تحدث المفكرون والسياسيون والمحللون عن حروب المياه المستقبلية وعن عوامل قيامها وأسباب احتمالها، ولكن في الواقع، أصبحنا نعيش هذه الحرب، صحيح أنها لازالت حرباً باردة ولكن الحرب الباردة تسقط دولاً وتضعف شعوباً خاصة عندما تكون الطبيعة هي الطرف الرئيسي المشارك والمساعد، إضافة إلى قوىً وجهات تتنافس وتتنازع كميات المياه ولازالت تعجز عن إيجاد حلول شاملة وناجعة، فكيف يجب علينا أن نتعامل مع هذا الواقع؟ وما هي خياراتنا وماذا بإمكاننا أن نفعل؟
الجواب: إن للحروب مستويات وأشكال وأطوار ثلاثة وتوازيها خيارات ومتطلبات.
أولاً: الطور الاستراتيجي: وفي مجال المياه فإن المقصود به هو طرق وأساليب تأمين المياه من مصادر متجددة وغير محدودة مثل تحلية مياه البحار والمحيطات واستجرارها وكذلك مشاريع الاستمطار وهناك طرق أخرى قابلة للتطبيق إذا توفّرت لها الإرادة والإشراف الحكومي والتمويل، وسوف نفترض أننا في سورية الجديدة في حالة لا تسمح لنا بفعل شيء.
ثانياً: الطور التكتيكي، وهو متوسط المدى والنّطاق وفي مجال المياه يعني أو يقابل تأمين حصة البلاد من الأنهار العابرة والمشتركة، تأمينها بشكل حازم دون أي انتقاص، ثم استهلاك وإدارة كمية المياه المتاحة بشكل علمي مدروس ورشيد واختيار زراعات ملائمة.
غزارة نهر الفرات حوالي 850 م/ثا، ومن المفيد أن تركيا قد انتهت من ملء ما أنشأته من سدود، فيجب تحديد غزارة نهر الفرات وتحديد الكميات التي يجب أن تعبر إلى سورية وفق القانون الدولي وتوثيقها والحرص على عبورها كاملة، ثم تحديد الكميات التي يجب أن تخرج من سورية باتجاه العراق.
سورية تحاذي نهر دجلة لمسافة 50 كم ولها حصة معينة من مياهه، إضافة إلى أنهار صغيرة تنبع من تركيا مثل قويق، ويجب إحراز حصة سورية.
أما من جانب الحدود اللبنانية فهناك نهر العاصي الذي يتوجب تحديد حصة سورية منه بشكل عادل.
وبخصوص نهر الفرات فإنني أقترح ما سيبدو اقتراحاً غريباً:
1- إلغاء سد الفرات وإلغاء البحيرة التي يحتجزها من خلفه!
2- اعتماد أسلوب آخر ومختلف من السدود، لا يشترط تشكيل بحيرات واسعة، بل يكفي إنشاء خزانات أو مسطحات صغيرة لتسهيل استجرار المياه، وهذا الاقتراح يجري على الأنهار كافة.
3- نقل واستجرار مياه الفرات إلى أي منطقة ملائمة، واستثمار المياه فيها مجد ويفيد أكثر من استثمارها في محيط النهر.
ونشير إلى أنه إذا افترضنا أن حصة سورية التي يمكن استهلاكها من نهر الفرات تساوي 350 م/ثا فقط فإن ذلك يعني أكثر من 11 مليار متر في العام وهذه الكمية تكفي لإرواء مساحة قدرها 33 ألف كم2 (3,3 مليون هكتار) ما ينتج 20-25 مليون طن من المواد الغذائية، أضف إلى ذلك موارد الأنهار الأخرى.
ثالثاً: الطور العملياتي أو الميداني: وهو التعامل المباشر وضمن نطاقات محليّة مع معطيات واقع المياه وحالتها وترجمة ذلك عملياتيّاً وهذا يفرض علينا القيام بإجراءات ميدانية بشكل عاجل وحازم وعلى رأس ذلك:
1- استحصال وتأمين كميات المياه اللازمة أو على الأقل أقصى ما يمكن استحصاله من المياه الجوفية وذلك عن طريق زيادة حفر الآبار الارتوازية! نعم نؤكد على وجوب حفر أكبر عدد ممكن من الآبار وذلك لأن نقص المياه سببه الأول هو نقص عدد الآبار وليس زيادتها كما يفهم بعضهم أو كما يتم ترويجه والإعلان عنه.
ولشرح ذلك بشكل علمي نقول: إن دول وبلدان المنطقة والإقليم يستخرجون كميات هائلة من المياه الجوفية دون رقيب أو مقنّن، وفي الحقيقة إن مركز ثقل المياه الجوفية لكامل المنطقة ومصدرها الرئيسي هو سورية، والمياه لا تعرف الحدود السياسية بل تنزلق إلى المناطق الأخفض، ونحو منطقة الاستخراج الأكثر لأنه ينتج فراغاً ويتم ملؤه من المناطق الممتلئة بسبب قلة الاستخراج، ثم هل نستطيع المنع أو التقنين في البلدان المجاورة التي نتقاسم معها أحواض المياه الجوفية؟؟ ولتفصيل المسألة نضيف ونقول: ماعدا أحواض المياه الجوفية التي تراكمت خلال الحقب والعصور فإن هناك مصادر مستجدة ترفد هذه الأحواض مثل السدود، أضف إلى ذلك فإن كميات الأمطار في مساحة سورية تساوي بمتوسطها حوالي (60 مليار متر مكعب) سنويّاً، بمتوسط هطول مضطرب 250 مم، وتقدر المياه المنزلقة إلى الأسفل والرافدة لأحواض المياه الجوفية بأكثر من 18 مليار متر مكعب خاصة وأن معظم الأراضي من النوع النفوذ.
هذا يعني أنه من حقنا بل من واجبنا استخراج هذه الكميات من المياه الجوفية بالحدّ الأدنى، دون الاقتراب من المخزون المتراكم والاستخراج الجائر، ولكن تنفيذ هذا يتطلب تأمين وإيجاد أكثر من 200 ألف بئر ارتوازي بكفاءة متوسطة تسمح باستخراج كمية 250 م يومياً للبئر الواحد وهذا يستلزم ويفرض على الحكومة إلغاء الضرائب عن مستلزمات إنتاج المياه واستخراجها بل يفترض دعمها، كما يستلزم توفير مصادر الطاقة مثل الكهرباء أو النفط وكذلك تأمين احتياجات توليد الطاقة الشمسية، وبالطبع بعد ذلك يتوجب ترشيد الاستهلاك وتقنينه بشكل اقتصادي ومجدٍ.
ونلفت الانتباه أيضاً إلى أن كمية 18 مليار متر مكعب من المياه سنوياً تكفي لعمليات ري خمسة ملايين هكتار تنتج أكثر 30 مليون طن من المواد الغذائية.
2- اعتماد طرق نوعية للاستفادة القصوى من كميات الأمطار، والأفكار التي نقترحها:
استثمار الأسطح لأكبر عدد ممكن من الأبنية العامة والخاصة في المدن والبلدات وذلك بالقيام بالتوجيه والدعم لكي يتم:
تركيب وتثبيت عدد كبير من ألواح الطاقة الشمسية لتشكيل سطح مائل وذلك لتوليد الطاقة الكهربائية أولاً، وثانياً، حصاد مياه الأمطار التي سوف تهطل وتنحدر إلى جهة الميلان وتلقّي هذه المياه بأنبوب مناسب الحجم ثم تخزينها في خزان في نفس الموضع أو جرّها عبر أنابيب كي يتم تجميعها في خزان ضخم في الحي أو المنطقة أو يتم تصريفها عبر مجارير مياه الصرف الصحي.
في دمشق مثلاً إذا تم تطبيق هذه الفكرة واستثمار أسطح أبنية بمساحة ألفي دونم فسوف نحصل على نصف مليون متر يمكن استخدامها لري الحدائق، تكفي لسقاية أكثر من 200 ألف شجرة، كما يمكن اعتماد هذه الطريقة فوق بعض الشوارع داخل المدن أو الطرقات بين المدن.
وللتنويه: لا يشترط استخدام ألواح طاقة شمسية مرتفعة الثمن بل يمكن استخدام زجاج أو بلاستيك محلّي الصنع.
3- إدارة السيول والوديان الموسمية والأنهار المحلية والينابيع، وإقامة المشاريع للاستفادة من مياهها بشكل سليم ورشيد ومنتج.
4- تكرير ومعالجة مياه الصرف الصحي، وهذا إجراء ضروري لبيئة نظيفة والحصول على السماد، فإذا تم تطبيق عمليات تكرير مياه الصرف الصحي لنصف سكان سورية فهذا يعني الاستفادة من المياه العادمة لمليوني عائلة أي حوالي 200 مليون م3 سنوياً تكفي لزراعة وسقي 50 مليون شجرة.
وبشكل عام فإننا مدعوّون وملزمون:
أولاً: لتحصيل حصصنا وحقوقنا من المياه.
ثانياً: يجب أن نفكر بشكل نوعي علمي حديث خارج الصندوق التقليدي.