أهمية تطوير بُنى الاقتصاد الوطني في إضعاف القبلية والعشائرية

0 16

ثمة حقيقة صارخة تفلت عادةً من خطابات الإصلاح السياسي في سورية، وهي أن القبلية ليست ظاهرة ثقافية عابرة، ولا إرثاً اجتماعياً عنيداً يذوب في وجه حملات التوعية، بل هي بالأساس نظام اقتصادي موازٍ ينتشر حيث تتراجع الدولة وتتعطّل مؤسساتها، ويتقلّص حين تعود الدولة إلى أدائها الطبيعي كضامن للعيش والعدل. منذ انكشاف الدولة السورية عن مساحات شاسعة من أراضيها إثر عام 2011، لم يحدث فراغ حقيقي، بل حدثت إعادةُ توزيعٍ للسلطة الاقتصادية على نحو تصاعدي لصالح البُنى العشائرية. ففي مناطق الشرق السوري، أصبح ديوان الشيخ يشبه مؤسسة حكم مُصغّرة: يوزّع المساعدات، ويفرض الجبايات، ويحتكر الوساطة في النزاعات، ويتحكّم بموارد النفط الخام والسلع الأساسية. لكن هذه الظاهرة، وإن تفاقمت في سنوات الحرب، فهي ليست وليدة اللحظة، بل كانت كامنة في طبيعة النموذج الاقتصادي السوري القديم، الذي قام على ريع مركزي وشبكات محسوبية، حين كانت الموارد تُضخّ من المركز إلى الأطراف عبر قنوات ضيقة تقوم على الولاء لا الكفاءة. وعندما انهار ذلك النموذج، انتقل الريع إلى المحلّيات، فوجدت العشيرة نفسها وريثة طبيعية لاقتصاد الدولة المتهاوي.

وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل يكفي تغيير الحاكم لإصلاح الخلل، أم أن المشكلة أعمق، وتتعلّق بنمط الحكم الاقتصادي برمّته؟ يذهب باحثون إلى أن نظام الريع المركزي القائم على الولاء هو الأصل في إنتاج العشائرية كبديل حين ينهار، وأن إعادة بناء الدولة لا تعني العودة إلى ذات النموذج، بل تجاوزه نحو لامركزية اقتصادية مضبوطة، لا تترك الموارد للعشائر باسم المحلية، ولا تعيدها إلى مركز متسلّط باسم الوطنية، بل تضعها في أيدي مجالس محلية منتخبة، تخضع لرقابة وطنية وشفافية دولية. وفي هذا السياق، أقترح نموذجَ نظريةِ اقتصاد المرونة، حيث أظهرت التعاونيات الزراعية المستقلة قدرةً على خلق نسيج اقتصادي جديد قائم على المصالح المشتركة لا على الدم والانتماء، وهذا ما دفع بعض مراكز الأبحاث إلى القول إن مفتاح إضعاف العشائرية في سورية المستقبل ليس في عودة الدولة المركزية القوية وحدها، بل في بناء اقتصاد تشاركي مرن يجعل المواطن شريكاً في الإنتاج، لا تابعاً في التوزيع.

من هذا المنطلق، أرى أن إضعاف النفوذ الاقتصادي للعشائر في سورية سيقوم على ثلاث مراحل متدرجة:

المرحلة الأولى:

تبدأ باقتصاد انتقالي يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، يقوم على تحويلات نقدية مشروطة للأسر في المناطق العشائرية، بشرط تسجيل الأطفال في المدارس، ومنع الزواج المبكر، والتحاكم إلى المحاكم النظامية، مع تسجيل الأراضي الزراعية بأسماء الأفراد ومنح سندات ملكية فردية، وضبط حقول النفط والغاز تحت إدارة وطنية شفافة، وتحويل جزء من الإيرادات إلى مجالس بلدية منتخبة. ومن المتوقع أن تنخفض سلطة العشيرة كمصدر للدخل والخدمات بنسبة تتراوح بين ثلاثين وأربعين بالمئة.

المرحلة الثانية:

تمتد هذه المرحلة من خمس إلى عشر سنوات، تقوم على اقتصاد تعددي ترابطي، يشمل إنشاء طرق سريعة تربط دير الزور بدمشق وحلب، مع فرض رسوم رسمية تنافس جبايات الشيوخ، وإقامة مصانع لتصنيع القطن والحبوب في الرقة والحسكة، بحيث يبيع المزارع محصوله للصناعة الوطنية بدلاً من تاجر العشيرة، إلى جانب برنامج خدمة مدنية يشغّل خريجي الجامعات من المناطق العشائرية في مؤسسات الدولة خارج مناطقهم، لكسر الرابط الجغرافي العشائري. ويُتوقّع هنا أن تنخفض نسبة الزواج المغلق إلى خمسة وأربعين بالمئة، وترتفع العمالة الرسمية إلى خمسة وثلاثين بالمئة.

المرحلة الثالثة:

تمتد من عشر إلى عشرين سنة، لتكرّس الاقتصاد الوطني الدامج، عبر نظام ضريبي تصاعدي عادل يقدّم خدمات مرئية، وقانون عمل يمنع التمييز العشائري، وضمان اجتماعي شامل يشمل التأمين الصحي والتقاعد وإعانات البطالة، وهنا يمكن أن تتحول القبائل إلى جمعيات ثقافية واجتماعية، دون سلطة اقتصادية أو قضائية.

غير أن الباحثين لا يغفلون عن تحديات جوهرية قد تفشل هذا المسار، وهي كما يلي:

أولاً: مقاومة النخب العشائرية التي قد ترى في الإصلاح تهديداً لمصالحها، والحل هو إشراكها في مراحل انتقالية بمناصب رمزية مع سحب صلاحياتها تدريجياً.

ثانياً: الفساد المؤسسي الذي إن استشرى سيعيد الناس إلى أحضان العشيرة كملاذ آمن، ولذا يجب ربط المساعدات بآليات مساءلة شفافة.

ثالثاً: التدخل الخارجي الذي قد يوظّف العشائر لإضعاف أي سلطة مركزية، مما يستدعي بناء إجماع وطني اقتصادي يقطع الطريق على الأدوات الخارجية.

رابعاً: وهن البنية الاقتصادية التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وهو ما يستدعي شراكة مع المغتربين ورؤوس الأموال المحلية والأجنبية، والاستثمارات الحقيقية بشرط الشفافية والرقابة.

خامساً: إن إضعاف العشائرية في سورية لا يبدأ بخطاب تنويري ولا بقوانين رادعة، بل بتنمية حقيقية تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة؛ فحين تصبح الدولة هي الكفيل بالدخل، والأمان، والعدل، والصحة، والتعليم، ينتقل الولاء تلقائياً من الشيخ إلى المؤسسة، وتبقى العشيرة، في أفضل أحوالها، إطاراً اجتماعياً ثقافياً يعبّر عن الامتداد التاريخي، لكنها تفقد قدرتها على توزيع الموارد وفصل الخصومات وفرض الإرادة. فالمسألة ليست صراعاً بين الحداثة والتقاليد، بل بين نظامين اقتصاديين: نظام يقوم على الوساطة والولاء، وآخر يقوم على الحق والمؤسسة، والأول ينهار حيث ينتصر الثاني، ليس بقوة الخطاب، بل بفعل الخبز والكرامة والعدل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني