من الفرات إلى الجولان.. المياه السورية بين الاستنزاف والحقوق المسلوبة

0 13

لم تعد أزمة المياه في سوريا مجرد تفصيل عابر يرتبط بموسم شحيح المطر أو بتراجع مؤقت في منسوب نهر هنا أو ينابيع هناك. لقد تجاوزت المسألة حدود الخدمات اليومية لتتحول إلى قضية مصيرية تمس جوهر الحياة اليومية للمواطن، وتهدد أمنه الغذائي ومستقبل بلاده الاقتصادي. ففي وطن أنهكته سنوات الحرب، وتداعت فيه أركان البنية التحتية، صار الحصول على ماء صالحة للشرب رحلة مشقة في العديد من المحافظات والبلدات، ما يفرض التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية وطنية تحتاج إلى رؤية استراتيجية شجاعة وطويلة الأمد.

إن قراءة المشهد المائي السوري تتطلب النظر إلى الأزمة من زوايا متعددة؛ فالتبدلات المناخية وحالات الجفاف المتكررة هي واقع ملموس لا يمكن إنكاره، لكنها تظل جزءاً من اللوحة وليست الصورة كلها. هناك جانب داخلي لا يقل خطورة، يتمثل في الاستنزاف العشوائي للمياه الجوفية، وسوء إدارة الموارد المتاحة، فضلاً عن الأضرار الفادحة التي لحقت بشبكات الضخ ومحطات المعالجة وقنوات الري الزراعي. لقد خرجت أجزاء واسعة من المنظومة المائية عن الخدمة، وباتت نسبة كبيرة من المياه تضيع في الهدر والتسرب قبل أن تصل إلى مستحقيها، ناهيك بأزمات الطاقة الكهربائية التي تعطل تشغيل المحطات الرئيسية. هذا التردي يعني بوضوح أن المشكلة لا تكمن فقط في شح الموارد، بل في صعوبة إيصال المتاح منها إلى المنازل والحقول، وأن أي جهود لزيادة الموارد ستظل بلا أثر حقيقي دون خطة شاملة لإعادة تأهيل هذه البنية المتهالكة.

وعلى الجانب الآخر، تبرز الأبعاد الإقليمية والدولية لتزيد المشهد تعقيداً، وفي مقدمتها ملف نهري الفرات ودجلة. فخلال العقود الماضية، قطعت تركيا شوطاً كبيراً في تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، متمثلاً في بناء عشرات السدود ومحطات التوليد. ولئن كان من حق أي دولة الاستفادة من مياهها، فإن هذا الاستثمار يجب ألا يأتي على حساب حقوق دول المصب. ورغم وجود تفاهمات قديمة، كبروتوكول عام 1987 الذي تلتزم فيه تركيا بتمرير 500 متر مكعب في الثانية لسوريا، واتفاقية عام 1989 لتقاسم هذه المياه مع العراق بنسبة 42% لسوريا و58% للعراق، إلا أن هذه الصيغ بقيت ناقصة في غياب اتفاق ثلاثي ملزم وشامل يراعي فترات الجفاف ويمنع استخدام المياه كأداة لفرض الأمر الواقع. من هنا تنبع أهمية إطلاق حوار إقليمي مسؤول يتجاوز لغة الاتهامات إلى بناء شراكة حقيقية تضمن التوزيع العادل والإدارة المشتركة للأنهار.

وفي الجنوب السوري، تأخذ القضية بُعداً أعمق يتصل بالسيادة الوطنية المباشرة. فمنذ احتلال الجولان، عمدت إسرائيل إلى السيطرة على المصادر المائية الغنية في المنطقة وحوض اليرموك، وأقامت شبكة من الخزانات لتجميع مياه الأمطار والجريان السطحي لخدمة المستوطنات والزراعة. إن هذه السيطرة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي جزء لا يتجزأ من ملف الاحتلال، ولا يمكن فصل استعادة الأرض عن استعادة الحقوق المائية السورية المسلوبة في أي تفاهمات مستقبلية.

لكن التحديات الخارجية لا تعفي أحداً من مواجهة المشكلات الداخلية والبحث عن الحلول الممكنة. وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه حول إمكانية الاعتماد على تحلية مياه البحر. تملك سوريا ساحلاً ممتداً على المتوسط، ويمكن لمحطات التحلية في اللاذقية وطرطوس أن تؤمن مياه الشرب للمدن الساحلية، إلا أن التكلفة العالية ونقل المياه إلى المدن الداخلية كدمشق يظلان عائقاً يتطلب دراسات دقيقة. بالتالي، تظل التحلية خياراً مسانداً وليست بديلاً عن حسن إدارة الموارد المتاحة.

وفي المقابل، يبدو الاستثمار في تجميع مياه الأمطار وإقامة السدود الصغيرة والخزانات الجبلية خياراً أكثر ملاءمة ونجاعة في العديد من المناطق، لمنع هدر مياه الشتاء والاستفادة منها صيفاً. يرافق ذلك ضرورة إصلاح القطاع الزراعي عبر الانتقال السريع من طرق الري التقليدية إلى الأنظمة الحديثة، واختيار المحاصيل المتكيفة مع بيئة كل منطقة، لحماية المخزون الجوفي من النزيف.

إن صياغة سياسة مائية جديدة تعامل المياه كملف أمن قومي هي الخطوة الأولى نحو التعافي؛ سياسة توازن بين التفاوض الحازم لحماية الحقوق الإقليمية، والاستثمار الذكي في حصاد الأمطار والتحلية، وإصلاح البنية التحتية والزراعة. فالمياه هي نبض الحياة الذي سيعيد الدفء إلى القرى والمدن، ولا ينبغي لسوريا بعد أن خرجت من أتون الحرب أن تجد نفسها في مواجهة معركة جديدة عنوانها العطش.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني