السوريون في ألمانيا: كيف تُحمى الديمقراطية من عودة الاستبداد؟

0 35

كيف يمكن منع الاستبداد من العودة بعد سقوطه؟ لا تكفي الانتخابات وحدها، وفق رؤية المهندس «جمال قارصلي»، النائب السابق في برلمان ولاية شمال الراين – وستفاليا؛ بل يتطلب الأمر مؤسسات تراقب السلطة، وضمانات تحمي الحقوق، ووسائل تتيح للمواطن الاعتراض على القرارات العامة. ومن تجربته البرلمانية، يستخلص «قارصلي» دروساً تتصل بتوزيع الصلاحيات، واستقلال الرقابة، وحدود سلطة الأغلبية، وهي مسائل تكتسب أهمية خاصة في مساعي السوريين لبناء دولة لا تعيد إنتاج الاستبداد.

السلطة تحت الرقابة:

يصف «قارصلي» الديمقراطية الألمانية بأنها «ديمقراطية محصنة وقِيَمية»، تقوم على حماية المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها كرامة الإنسان وحقوقه، حتى في مواجهة إرادة الأغلبية المنتخبة. فالفوز بالانتخابات، وفق هذا التصور، لا يمنح الحاكم سلطة مطلقة، ولا يتيح له استخدام الآليات الديمقراطية لتقويض الديمقراطية نفسها.

ويشرح «قارصلي» أن الرقابة تتوزع بين مؤسسات متعددة؛ فالبرلمان يراقب الحكومة عبر الأسئلة البرلمانية ولجان التحقيق، بينما تفصل المحكمة الدستورية الاتحادية في المسائل الدستورية الداخلة ضمن اختصاصها. ويتكامل ذلك مع النظام الاتحادي الذي يوزع الصلاحيات بين الدولة الاتحادية والولايات الست عشرة، لكل منها برلمان وحكومة، وتشارك الولايات في التشريع الاتحادي عبر مجلس الولايات «البوندسرات».

ويرى «قارصلي» أن هذا التوزيع يحدّ من انفراد الحكومة المركزية بالقرار. ويشير إلى أن النائب يستطيع التصويت وفقاً لضميره ومساءلة السلطة التنفيذية، رغم وجود ما يسميه «التزاماً حزبياً» غير رسمي يرتبط باستقرار العمل الحكومي. أما المواطن، فيستطيع تقديم العرائض، والمشاركة في المبادرات الشعبية حيث يسمح القانون، واللجوء إلى الشكوى الدستورية عند استيفاء شروطها وانتهاك حقوقه الأساسية.

وتبرز هنا دلالة التجربة بالنسبة إلى سوريا: لا يكفي النص على الحقوق في الدستور، بل ينبغي أن يمتلك المواطن وسائل فعلية لمراجعة قرارات السلطة، وأن تكون المؤسسات قادرة على مساءلة المسؤولين، بصرف النظر عن مواقعهم.

الحريات حين تُختبر:

تظهر أهمية الضمانات الدستورية في أوقات الأزمات، حين تتصاعد الخلافات حول الهجرة والإسلام والصراعات الخارجية. ويرى «قارصلي» أن التحدي يتمثل في الموازنة بين حفظ النظام العام وحماية الحريات، من دون أن تتحول المخاوف الأمنية إلى مبرر للتمييز ضد الأقليات أو التضييق غير المشروع على حرية التعبير والتظاهر.

ويتمثل الفارق، وفق عرضه، بين القيود المشروعة والإجراءات التعسفية في وجود أساس قانوني واضح، واحترام الحقوق الأساسية، وخضوع القرارات لرقابة القضاء. فصدور القرار عن جهة رسمية لا يجعله محصناً من المراجعة، ويمكن للمحاكم إبطال القرارات غير المشروعة وفق الإجراءات القانونية.

ولا يحصر «قارصلي» حماية الحقوق في القضاء؛ إذ يشير إلى دور الإعلام في كشف التجاوزات الرسمية ومظاهر تنامي الفكر المتطرف داخل مؤسسات الدولة، وإلى دور المجتمع المدني في تنظيم الاحتجاجات السلمية، وتقديم الدعم القانوني للمتضررين، والضغط من أجل تصحيح السياسات. وبذلك تتكامل الرقابة القضائية والإعلامية والمجتمعية في إتاحة وسائل متعددة للدفاع عن الحقوق.

وتحمل هذه المسألة أهمية للسوريين في ألمانيا، ليس فقط لمعرفة حقوقهم، بل لفهم كيفية ممارستها والدفاع عنها. أما في سوريا، فإن بناء دولة القانون يتطلب ضمان ألا تتحول الأجهزة الأمنية والإدارية إلى جهات فوق المساءلة، وألا يصبح الاعتراض على قرارات السلطة سبباً للإقصاء.

تجربة قوية وتحديات قائمة:

لا يقدم «قارصلي» التجربة الألمانية بوصفها نموذجاً مثالياً؛ فهو يذكر الاستقرار المؤسسي، والضمانات القانونية الراسخة، وقوة الاقتصاد الاجتماعي ضمن أبرز نقاط قوتها، لكنه يشير أيضاً إلى بيروقراطية قد تبطئ التغيير، وضعف وصول المهاجرين إلى المناصب السياسية العليا، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة.

ويضع استقلال القضاء، وفاعلية الرقابة البرلمانية، وقدرة المعارضة على مساءلة الحكومة، وحرية الإعلام وتعدد الآراء، والتداول السلمي للسلطة، ضمن معايير تقييم النظام الديمقراطي. ولا تكمن قوة التجربة، في رأيه، في غياب الأخطاء، بل في وجود آليات تكشفها وتتيح تصحيحها عبر القضاء والنقاش العام والانتخابات وتعديل القوانين.

وهذا ما يجعل تقييم الديمقراطية مرتبطاً بأداء مؤسساتها، لا بمجرد وجودها؛ فالبرلمان والمحاكم والانتخابات لا تحقق غاياتها إذا عجزت عن تقييد السلطة وحماية الحقوق ومراجعة القرارات.

دروس لسوريا دون استنساخ:

في تصوره لمستقبل سوريا الجديدة، يدعو «قارصلي» إلى ضمانات دستورية راسخة تحمي حقوق الإنسان والتعددية من قرارات الأغلبية العابرة، وإلى لامركزية إدارية موسعة توزع الصلاحيات والمسؤوليات بين المحافظات. ويؤكد كذلك ضرورة إخضاع الأجهزة الأمنية والعسكرية لرقابة برلمانية وقضائية فعالة، منعاً لاحتكار مؤسسات القوة خارج إطار المساءلة.

لكنه يحذر من استنساخ النظام الألماني حرفياً؛ فالمؤسسات الألمانية نتاج تطور سياسي ومدني طويل، بينما تواجه سوريا آثار الاستبداد والحرب والانقسام الاجتماعي والأزمات الاقتصادية. لذلك، يتطلب بناء الدولة السورية تكييف المبادئ مع واقع البلاد، وإعطاء العدالة الانتقالية وبناء الثقة مكانة أساسية في تأسيس المؤسسات الجديدة.

أما السوريون في ألمانيا، فيمكنهم الإسهام في هذا المسار عبر المشاركة في الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، واكتساب الخبرات السياسية والحقوقية، وبناء شبكات من المختصين ومراكز الأبحاث التي تقدم مقترحات عملية لبناء المؤسسات وإعادة الإعمار.

في المحصلة، لا تكمن الاستفادة من التجربة الألمانية في نقل مؤسساتها كما هي، بل في فهم الآليات التي تحدّ من تركّز السلطة وتحمي الحقوق وتتيح تصحيح الأخطاء. أما التحدي السوري، فهو تحويل هذه المبادئ إلى قواعد ملزمة وممارسات فعلية، بحيث لا تتوقف كرامة المواطن وحريته على هوية الحاكم، بل تحميهما مؤسسات قادرة على مساءلته.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني