
قالها، ومع كلّ جملة غصةٌ.. حجزتُ دوراً.. استرح من فضلك.
غرفة انتظار متواضعة، وضوء شحيح لا يساعد على الرؤية لمن في سني. بحثت عن كرسي وجلست أنتظر. اهتز الهاتف.. رسالة من ابنتي: أولادي يترقّبون جدّهم على الغداء.. لا تتأخر.. أعدته إلى جيبي. قبالتي امرأة تحدّق بي.. شيء ما نكزني.. هل تعرفني.. فركت عينيّ.. عدّلت النظارة واختلست نظرة. مازالت تستمرّ.. وجنات متغضنة، وباصرتان تشعان ببريق ليس جديداً..، أعادني لعقود تصرّمت.. تُرى.. أتكون هي؟! أخرجت سبّحتي وتظاهرت التسلي بتقليب حبّاتها، واسترجع الأيام.. أقلّبها.. وأبحث في “زواريبها”. ليت الإضاءة شديدة لأتبيّن تقاسيمها. لمحتها تهمس لشابة لصقها وأصبعها تتّجه إليّ. أنعمت النظر فيها ابتسمتْ.. تشجّعتُ.. هند؟! انفرجت شفتاها وانطلقت كزغرودة، نعم..
جرس حروفها أرجعني شاباً. عند مدخل الجامعة صبية تسأل عن المدرّج الثاني. قامة معتدلة، طلتها بدر نيسان..، عينان سوداوان يعلوهما سيفان مزجّجان، وأنف ترتفع أرنبته شامخة فوق فلقتي حبة كرز. تعارفنا..، وتابعنا إلى الدرس الأول. شدّتني إليها رزانتها، ولطافة حديثها، وأفكارها..، ونما في حناياي حبّ كتمته، ولم أبح به احتراماً لصداقتنا حتى تفاجأت، بعد منتصف العام، بدبلة تزيّن أصبعها.. تمنّيت لها خيراً..، أخبرتني أنّه ابن خالتها، ويعمل في السلك الدبلوماسي. مرّت ثلاث سنوات وتخرّجنا في الجامعة..
– أراكِ شختِ يا صديقتي، وسرق الدّهر منك الشباب.. مَن هذه الجميلة؟
– حفيدتي، ورفيقتي..
– وقفتْ.. أهلاً بك، ومدّت يدها تصافحني. ذكرتكَ لي في أحاديثها عن أيام الدراسة..
– وهل شتمتني؟
– بل باركت السبب..
– وما حكت لكِ عمّا بعدها؟
– لا، أتسمعني إياها؟
التحقت بعد عامين من التخرج عاملاً بمؤسسة الإنشاءات، وفي المكتب الإداري تفحّص موظف أوراقي، وسجّلها.. وأشار إلى الباب المقابل وقّعها من الآنسة. وكانت المفاجأة عندما رفعت رأسها لنجد نفسينا وجهاً لوجه. دارت من خلف الطاولة مصافحة.. كدت أضمها لولا الحياء من رفيقتها. هيّا اجلس، وارتشفنا القهوة ونحن نستذكر الماضي..، استرعى انتباهي خلو يدها من الدبلة.. وخجلت أن أسألها، وعرفت فيما بعد أنها عزباء. وتعدد مروري بها كلما سنحت فرصة.. وتعمّقت الصداقة، وذات يوم وأنا في الممر سمعت زميلتها: أراكما منسجمين كحبيبين.. لماذا لا تتزوجان؟ فأشعلت ناراً في داخلي، ولم أنم تلك الليلة. ساهرني خيالها.. بماذا أكلمها غداً؟ وكيف أصارحها؟ وهل توافق؟ وهل يرضى والدها الشيخ بشاب من أقصى البلاد؟ وفي الصباح شاهدتني مشوشاً.. ما بكَ؟
– البارحة لم أنم جيداً..
– لماذا؟
– أنتِ مَن حرمني النوم
– خير..؟
– بلا مقدمات، أتقبلين بي زوجاً؟
– ضحكت.. أتمزح يا صديقي؟!
– أتكلّم جاداً.. خبّري أهلك.. يمكنني زيارتكم متى يشاؤون..
وصدمنا الجواب.. استفسرت منها. مكسوفة، ومهيضة الجناح، ودمع يتلألأ في مآقيها: “لستَ من طائفتنا”. أصبتُ برصاصة تقتل ولا تُريق..، وحفظاً لكرامتها انتقلتُ إلى مكان آخر.
نادتها الممرضة.. نهضت تستند على حفيدتها، وهمّت بالسير تتوكأ عليها. سببتُ الزمن، وشعرت أنّ المصادفة لن تتكرر، وبشيء ثقيل يجثم على صدري، وتضيق به حنجرتي. بلعت لعابي. عجز لساني..، واختنقت الكلمات.. يا صغيرتي، أرجوك لا تهمليها.. واروي أشلاء وردة ذبلت..