
من باب المندب إلى دمشق.. شرق أوسط يعيد تشكيل تحالفاته
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم تدريجية لخريطة التوازنات والتحالفات الإقليمية. فبعد عقود طوال ارتبط فيها أمن المنطقة بشكل أساسي بالمظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية، بدأت العواصم الإقليمية تتحرك نحو خيارات أشد مرونة، تقوم على تنويع الشراكات، وتوزيع المخاطر، والاعتماد المتبادل على المصلحة المباشرة. وفي هذا السياق الجيوستراتيجية، برز الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، المعروف باسم “اتفاق مكة” في أغسطس/آب الماضي، كاستجابة عمليّة لرغبة هذه الدول في بناء شبكة أمان إقليمية تتكيف مع تحولات السياسة الدولية وتراجع اليقين بشأن الضمانات الخارجية التقليدية.
غير أن هذا الترتيب السياسي لم يلبث أن وُضع سريعاً في مواجهة اختبار ميداني عالي الشدة. فمع سيطرة جماعة الحوثي في 10 سبتمبر/أيلول على مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي، ثم التمدد نحو جزيرة ميون عند المدخل الجنوبي لباب المندب، بالتوازي مع الضغوط المتزايدة والمخاطر المحدقة بمضيق هرمز، أصبحت شرايين الطاقة والتجارة العالمية أمام تهديد مزدوج وغير مسبوق. إن الخطر المباشر هنا لا يقتصر على الاحتمال الضئيل لإغلاق الممرات المائية بالكامل، بل ينعكس في القفزات الحادة لكلف التأمين وشحن البضائع، واضطرار الشركات الدولية لتغيير مساراتها. كما أن هذا التصعيد كشف أن التعقيدات اليمنية الداخلية المتمثلة في تفكك الجبهات المناهضة للحوثيين وتضارب أجنداتها تصعّب فرض استقرار عاجل عبر قرارات تحالف خارجي مجرد.
ولم يقف الضغط عند الحدود البحرية، بل امتد ليمس الأمن القومي للخليج العربي بشكل مباشر. ففي 11 سبتمبر استُهدف خط أنابيب “الشرق – الغرب” السعودي بطائرات مسيّرة انطلقت بحسب الرياض من الأراضي العراقية، تلاه إعلان سعودي في 19 سبتمبر عن اعتراض صاروخ باليستي أُطلق نحو الرياض. هذه التطورات المتلاحقة نقلت اتفاق مكة من الإطار النظري إلى مربع التساؤل المباشر: ما هي الحدود الفعلية لما يمكن أن يقدمه اتفاق دفاعي ثلاثي عندما تتعرض إحدى دوله الأعضاء لضغط أمني وعسكري مباشر؟
جاءت الردود الأولى لتكشف عن طبيعة هذا التحالف ومحدداته الاستراتيجية. فقد أبدت تركيا استعداداً لتقديم دعم عسكري وتقني محدد في إطار البراغماتية السياسية والمقايضات المعتادة، بينما جاهر الموقف الباكستاني بالتزامه الأدبي والسياسي بالدفاع عن المملكة، مع توخي الحذر الشديد من أي انخراط عسكري مباشر قد يربك حسابات إسلام آباد المعقدة مع جارتها إيران، أو يؤجج حساسياتها الداخلية.
فقوة التحالفات لا تقاس بالبيانات الدبلوماسية، بل بقدرتها على بناء مؤسسات مشتركة وتجاوز التناقضات بين أولويات أعضائه. فالرياض معنية بالدرجة الأولى بأمن الخليج العربي، وأنقرة تركز على مجالها الحيوي في المشرق والمتوسط، وإسلام آباد محكومة بتوازنات جنوب آسيا. يُضاف إلى ذلك أن التحالف لا يتحرك في فراغ؛ إذ ترقبه واشنطن وتل أبيب بحذر شديد لضمان عدم إضعاف ترتيبات القيادة الوسطى الأمريكية، بينما تسعى طهران لإحباط أي محاولة لتطويق نفوذها الإقليمي.
وفي قلب هذه الرقعة الجغرافية المشتعلة، تبرز الساحة السورية. دمشق ليست طرفاً في “اتفاق مكة”، لكنها تقاطع استراتيجي حاسم لكل القوى المشاركة والمراقبة له.
فتركيا تشكل جارة مركزية ذات نفوذ وقوات ميدانية على الأرض السورية، والسعودية تمثل العمق العربي والمالي الأساسي، وإيران وإسرائيل تمتلكان أوراق ضغط ومواجهات مستمرة في الجنوب والشمال. وعلى الرغم من أن سوريا تعاني في الوقت الراهن من إنهاك اقتصادي وتعدد في مراكز القرار والنفوذ الأجنبي على أراضيها مما يحد من قدرتها على لعب دور “الوسيط الإقليمي” السريع إلا أن خيارها الاستراتيجي الأكثر أماناً يكمن في عدم الانجراف مجدداً نحو سياسة المحاور.
إن المشهد الممتد من باب المندب إلى دمشق يؤكد أن الشرق الأوسط لا يتجه نحو نظام أمني تكفله دولة واحدة أو مظلة إقليمية مغلقة، بل نحو شبكة أشد تعقيداً وتعدداً من الشراكات. وإذا نجح التحالف السعودي – التركي – الباكستاني في استيعاب التباينات بين أعضائه والتحول إلى صيغة أمنية مرنة، فقد يغدو أحد أعمدة هذا النظام المتغير. أما بالنسبة لسوريا، فإن مصلحتها الوطنية بعيدة المدى تتطلب استغلال التحولات الراهنة لترميم سياستها الداخلية، والعمل التدريجي على استعادة المباشرة السيادية، لتبني موقعاً متوازناً يتيح لها أن تكون شريكاً في صياغة معادلة الاستقرار، لا مجرد مسرح لتصريف أزمات الآخرين.