الاقتصاد السوري غير المرئي: الجزء الذي لا يظهر في الأرقام

0 7

هناك موضوع اقتصادي أعتقد أنه يستحق التوقف عنده أكثر في سوريا، وهو حجم الاقتصاد الذي يجري فعلياً خارج الإطار الرسمي، أو على الأقل لا يظهر بشكل كامل في الأرقام والإحصاءات.

عندما نتحدث عن الاقتصاد السوري، عادةً ما ننظر إلى الأرقام الرسمية: حجم التجارة، الشركات المسجلة، الاستيراد والتصدير، البطالة وغيرها. لكن على أرض الواقع هناك نشاط اقتصادي كبير يجري كل يوم ولا يظهر بالضرورة بصورة كاملة في هذه الأرقام.

هناك أعمال صغيرة، تجارة، نقل، مقاولات، خدمات، عمال يعملون بشكل غير مسجل، وعمليات بيع وشراء تتم نقداً، إضافة إلى الأموال التي تدخل من الخارج والتحويلات التي يعتمد عليها عدد كبير من العائلات. كل هذه الأمور تشكل جزءاً من الاقتصاد الحقيقي، لكن من الصعب معرفة حجمها بدقة.

وهنا تظهر مشكلة أكبر من مجرد معرفة حجم النشاط الاقتصادي.

كيف يمكن للدولة أن تخطط لاقتصادها إذا كانت لا تعرف بشكل دقيق حجم الاقتصاد الموجود على أرض الواقع؟

على سبيل المثال، إذا كانت أعداد كبيرة من العمال تعمل خارج التسجيل الرسمي، فهل تعكس أرقام البطالة الواقع فعلاً؟ وإذا كانت نسبة كبيرة من التجارة والخدمات تتم نقداً أو خارج الشركات المسجلة، فهل تعكس أرقام الناتج وحجم السوق النشاط الاقتصادي الحقيقي؟

الأمر نفسه ينطبق على المشاريع الصغيرة. قد يكون هناك عدد كبير من الأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص أو يديرون أعمالاً صغيرة جداً، ولكن هذه الأنشطة قد لا تظهر بالشكل الكافي في الإحصاءات الرسمية.

وهذا يجعل من الصعب أحياناً معرفة حجم السوق الحقيقي، وحجم الاستهلاك، وحاجة الناس إلى السلع والخدمات، وحتى القطاعات التي يمكن أن تكون فيها فرص استثمار حقيقية.

الاقتصاد النقدي

هناك نقطة أخرى مرتبطة بذلك، وهي الاعتماد الكبير على النقد في التعاملات.

كلما زادت المعاملات النقدية وقلت حركة الأموال عبر القنوات المصرفية، أصبح من الصعب تكوين صورة واضحة عن حركة الأموال داخل الاقتصاد.

وهذا لا يعني أن كل شخص يعمل خارج النظام الرسمي يخالف القانون. هناك أسباب كثيرة لذلك. بعض أصحاب الأعمال يعملون بأحجام صغيرة، وبعضهم يجد الإجراءات الرسمية معقدة، والبعض لا يجد خدمات مصرفية مناسبة، وهناك أيضاً من اعتاد ببساطة على التعامل النقدي.

لكن النتيجة في النهاية واحدة: جزء من النشاط الاقتصادي الحقيقي يصبح صعب القياس.

لماذا هذا الموضوع مهم الآن؟

أعتقد أن أهمية الموضوع تزداد مع الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات.

قبل أن تضع الدولة خططاً اقتصادية كبيرة، من المهم أن تعرف أولاً ما الذي يحدث فعلياً في السوق.

كم عدد الأشخاص الذين يعملون بشكل غير رسمي؟

كم حجم التجارة التي لا تظهر بالكامل في السجلات؟

كم حجم الأموال التي تدخل إلى البلاد عن طريق التحويلات؟

ما حجم النشاط الذي تقوم به المشاريع الصغيرة والأعمال الفردية؟

وكم من الأموال يتم تداولها نقداً خارج النظام المصرفي؟

قد لا تكون هناك أرقام دقيقة لكل هذه الأسئلة، وربما تكون هذه هي المشكلة نفسها التي تحتاج إلى دراسة.

السؤال الذي أعتقد أنه يستحق أن يطرح

ربما اعتدنا على السؤال:

كم يبلغ حجم الاقتصاد السوري؟

لكن السؤال الأهم قد يكون:

كم يبلغ حجم الاقتصاد السوري الذي لا نراه في الأرقام؟

قد يكون هناك اقتصاد كامل يعمل يومياً خلف الأرقام الرسمية، ويشغل آلاف أو ملايين الأشخاص، ويحرك مبالغ كبيرة من المال، لكنه لا يظهر بصورة واضحة في الإحصاءات.

وفهم هذا الجزء من الاقتصاد ليس أمراً ثانوياً. بل قد يكون من أهم الخطوات لفهم الاقتصاد السوري الحقيقي، ومعرفة نقاط قوته وضعفه، ووضع سياسات واقعية للمرحلة القادمة.

لأن إعادة بناء الاقتصاد لا تبدأ فقط من بناء المصانع والطرق والمشاريع الكبيرة، وإنما تبدأ أيضاً من معرفة كيف يعمل الاقتصاد فعلاً على الأرض.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني