محاكمة وسيم الأسد.. اختبار جديد للعدالة الانتقالية في سوريا

0 22

(أول جلستين تكشفان مساراً إجرائياً منضبطاً وأسئلة مفتوحة حول علنية المحاكمة وحقوق الدفاع)

لا تُقاس أهمية محاكمة وسيم بديع الأسد فقط بما تحمله لائحة الاتهام من وقائع وادعاءات خطيرة، وإنما بما ستكشفه عن قدرة القضاء السوري، في مرحلة انتقالية حساسة، على بناء محاكمة تستوفي شروط العدالة، وتحمي حقوق الضحايا والمتهمين في آن واحد.

وتأتي محاكمة أحد أبناء عائلة الأسد في لحظة يتجاوز فيها النقاش السوري حدود محاسبة أفراد بعينهم، إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية بناء منظومة قضائية مستقلة قادرة على التعامل مع إرث الانتهاكات، بعيداً عن الانتقام السياسي أو المحاكمات الشكلية.

وبحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 26 آب/أغسطس 2026، فقد راقبت الشبكة أول جلستين من محاكمة وسيم بديع الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، والمنعقدتين في 23 حزيران/يونيو و15 تموز/يوليو 2026.

وخلص التقرير إلى أن الإجراءات التي أمكن رصدها اتبعت، بصورة عامة، التسلسل المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وأن المتهم كان ممثلاً بمحامٍ خلال الجلستين.

لكن الجلسة الثانية فتحت في الوقت نفسه نقاشاً حول حدود علنية المحاكمة، بعدما بدأت علنية قبل أن تقرر المحكمة إغلاقها أمام الجمهور عند بدء الاستماع إلى شهود النيابة العامة، بداعي حماية الشهود.

من هو وسيم بديع الأسد؟

ولد وسيم بديع الأسد في القرداحة بمحافظة اللاذقية عام 1980، وهو ابن عم بشار الأسد من جهة الأب.

وكان قد أُدرج في 27 آذار/مارس 2023 ضمن برنامج العقوبات الأميركية المتعلقة بسوريا، كما بقي خاضعاً للتدابير التقييدية الأوروبية عقب مراجعة أجراها مجلس الاتحاد الأوروبي في أيار/مايو 2026.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية اعتقاله في 21 حزيران/يونيو 2025، خلال عملية أمنية نُفذت بالتعاون مع إدارة المخابرات العامة، أثناء محاولته عبور المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان.

وتحمل هذه الخلفية أهمية سياسية ورمزية في مسار العدالة السورية، لكن المسؤولية الجنائية لا تُبنى على الانتماء العائلي أو السياسي، وإنما على أفعال محددة وأدلة قابلة للمناقشة أمام القضاء.

اتهامات تمتد من العمل المسلح إلى الابتزاز:

في الجلسة الأولى، تحققت المحكمة من هوية المتهم، وأثبتت حضور خمسة مدعين بالحق الشخصي وغياب ثلاثة، ثم تلت ملخص قرار الاتهام.

وبحسب التقرير، يتهم قرار الاتهام وسيم الأسد بتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية وإدارتها، استناداً إلى تعليمات من العميد غياث دلة، أحد قادة الفرقة الرابعة في النظام السابق، إضافة إلى الإشراف على تسليح هذه المجموعات وتمويلها وتقديم الدعم اللوجستي لها منذ مطلع عام 2011.

كما ينسب إليه القرار، وفق التقرير، مسؤولية أو دوراً في عمليات عسكرية استهدفت مناطق في الغوطة الشرقية، ولا سيما المليحة، ومن بينها هجوم وقع في 2 كانون الثاني/يناير 2013، فضلاً عن واقعة في جرمانا أدت إلى مقتل مدني.

وتشمل الاتهامات أيضاً التحريض على العنف من خلال تصريحات ومنشورات ومقاطع مصورة، والاتجار بالمخدرات وتهريبها، إضافة إلى استغلال النفوذ المرتبط بانتمائه إلى عائلة الأسد في وقائع تتعلق بالسرقة بالعنف وابتزاز أسر المعتقلين وتلقي أموال مقابل التدخل لدى الأجهزة الأمنية.

وفي المقابل، أنكر المتهم مسؤوليته عن معظم الاتهامات الموجهة إليه، ما يجعل إثبات كل واقعة من خلال الأدلة والشهادات، لا مجرد ورودها في قرار الاتهام، محوراً أساسياً في المحاكمة.

شهادات عن الخطف والابتزاز وإطلاق النار:

في الجلسة الثانية، استمعت المحكمة إلى نحو عشرة من شهود النيابة العامة.

وأفاد أحد الشهود، وهو صاحب مكتب للتخليص الجمركي والشحن، بأنه اعتُقل في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 واحتُجز لمدة 34 يوماً، وقال إنه أُجبر على دفع 250 ألف دولار مقابل الإفراج عنه.

كما ذكر أنه تعرض لإطلاق النار في كانون الثاني/يناير 2022 بعد رفضه دفع مبلغ إضافي قدره 10 آلاف دولار، وأن الإصابة في ساقه اليسرى خلّفت، بحسب شهادته، عجزاً دائماً.

أما بقية الشهادات، فتناولت ادعاءات مرتبطة بالخطف والقتل والابتزاز وفرض الإتاوات في ريف دمشق خلال السنوات الأولى من النزاع.

ورفض المتهم مضمون شهادات شهود النيابة وأنكر صحتها.

وهنا تكمن إحدى أهم وظائف المحاكمة: تحويل الادعاءات إلى وقائع قابلة للإثبات أو النفي أمام قاضٍ مستقل، عبر أدلة يمكن للدفاع مناقشتها والطعن فيها.

عندما تصبح علنية المحاكمة جزءاً من العدالة:

تكشف الجلسة الثانية عن معادلة دقيقة بين مبدأ علنية المحاكمات وحماية الشهود.

فعلنية الإجراءات ليست تفصيلاً إجرائياً، وإنما إحدى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، لأنها تتيح للمجتمع مراقبة سير العدالة وتعزز الثقة بالقضاء.

وفي المقابل، يمكن أن تبرر حماية الشهود أو مصالح العدالة فرض قيود محددة على حضور الجمهور، شرط أن تكون هذه القيود ضرورية ومتناسبة ومؤسسة على أساس قانوني واضح.

ولهذا دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان المحكمة إلى تسبيب أي قرار يقيد علنية الجلسات، وبيان أساسه القانوني ومبرراته، وحصر القيود في الحدود الضرورية لحماية الشهود وحسن سير العدالة.

المعيار هنا ليس فتح الجلسة أو إغلاقها بصورة مطلقة، وإنما تحقيق التوازن بين حق المجتمع في مراقبة العدالة وحق الشهود في الحماية.

المتهم أيضاً له حقوق:

في قضايا بهذا الحجم، قد يبدو التركيز على حقوق المتهم للبعض متناقضاً مع حقوق الضحايا، لكن العدالة الانتقالية لا تستطيع أن تقوم على انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة.

فالمتهم، وفق المعايير الدولية، يتمتع بقرينة البراءة، وحق الدفاع، وحق معرفة التهم الموجهة إليه، وحق مناقشة أدلة الادعاء وشهوده، وتقديم أدلته وشهوده، والاستفادة من تكافؤ وسائل الدفاع والادعاء.

وتشير الشبكة إلى أن هذه الضمانات ترتبط بالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ومن هنا، فإن نجاح المحاكمة لا يقاس فقط بإدانة المتهم، وإنما أيضاً بقدرة القضاء على الوصول إلى الحقيقة من خلال إجراءات يمكن الدفاع عنها قانونياً وأخلاقياً.

الجرائم الدولية ومسألة التوصيف القانوني:

يورد قرار الاتهام، بحسب التقرير، إشارات إلى احتمال أن تشكل بعض الأفعال المنسوبة إلى المتهم جزءاً من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين، بما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن احتمال انطباق توصيف جرائم حرب بالنظر إلى سياق النزاع المسلح.

كما يستند القرار إلى عدد من النصوص، من بينها قانون العقوبات السوري، وقانون المخدرات، واتفاقيات جنيف، والمبادئ المتعلقة بعدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب الإحالة إلى مبادئ نظام روما الأساسي.

لكن الإشارة إلى نظام روما الأساسي لا تعني أن المحكمة السورية تمارس اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وهذه نقطة قانونية مهمة: التوصيف القانوني للجريمة شيء، وإثبات المسؤولية الجنائية الفردية عنها شيء آخر.

فإثبات أن جريمة معينة وقعت لا يكفي وحده لإثبات أن شخصاً بعينه ارتكبها أو أمر بها أو ساهم فيها، بل يجب إثبات عناصر المسؤولية وفق القانون الواجب التطبيق والأدلة المقبولة قضائياً.

اختبار استقلال القضاء:

تطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان كذلك مجلس القضاء الأعلى والسلطات القضائية بضمان استقلال المحكمة عن أي تدخل خارجي، والسماح للمراقبين المستقلين، بما في ذلك ممثلو منظمات حقوق الإنسان، بمتابعة الجلسات ضمن الحدود التي لا تتعارض مع حماية الشهود أو حسن سير العدالة.

ويكتسب هذا المطلب أهمية تتجاوز القضية نفسها.

ففي مرحلة العدالة الانتقالية، تحتاج سوريا إلى قضاء يثبت استقلاله من خلال الممارسة، لا من خلال النصوص فقط؛ قضاء لا يخضع لضغوط سياسية، ولا يحول المحاكمات إلى أدوات للثأر، وفي الوقت نفسه لا يسمح بتحويل شعار العدالة إلى غطاء للإفلات من العقاب.

من محاكمة فرد إلى بناء مسار للعدالة:

تُظهر قضية وسيم الأسد أن التحدي أمام سوريا الجديدة لا يقتصر على فتح ملفات المتهمين، وإنما يمتد إلى بناء قواعد إجرائية ومؤسسات قضائية قادرة على التعامل مع آلاف الملفات المحتملة.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق الإجراءات، وضبط محاضر الجلسات، وتمكين الدفاع، وحماية الشهود، وإتاحة الرقابة المستقلة، وضمان أن تكون الأدلة قابلة للفحص والمناقشة.

فالعدالة الانتقالية التي يثق بها السوريون والمجتمع الدولي لا يمكن أن تقوم على النتيجة وحدها، بل على سلامة الطريق الذي يقود إليها.

وقد تكون محاكمة وسيم بديع الأسد إحدى المحطات التي تختبر فيها سوريا قدرتها على الانتقال من مرحلة الإفلات من العقاب إلى مرحلة المساءلة القضائية.

لكن السؤال الأوسع الذي ستجيب عنه هذه المحاكمة ليس فقط: هل سيُدان وسيم الأسد أم يُبرّأ؟

بل: هل تستطيع سوريا أن تبني قضاءً يحاكم المتهمين بقوة القانون، ويحمي حقوق الضحايا، ويضمن حقوق الدفاع، ويثبت أن العدالة الجديدة لا تعني استبدال إفلاتٍ سابق من العقاب بظلمٍ جديد؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني