نتنياهو يجيد التورط لكنه يجهل النتائج

0 2

يجيد بنيامين نتنياهو اختيار لحظة البداية، يعرف متى يرفع سقف التهديد، ومتى يضغط على الزناد، ومتى يحوّل الغارة إلى عنوان سياسي يقدمه لجمهوره باعتبارها خطوة جديدة نحو (النصر)، لكنه يواجه مشكلة أكثر تعقيداً عندما تبدأ مرحلة الحساب، فالحرب قد تبدأ بقرار من طرف واحد، لكنها لا تنتهي بالطريقة نفسها.

تستطيع الدولة المعتدية اختيار ساعة الضربة، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد ردود فعل الآخرين ولا النتائج السياسية التي ستولد منها.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أكبر مشكلات نتنياهو: أنه يجيد صناعة البدايات أكثر مما يجيد إدارة النهايات.

خلال سنوات طويلة، حاول نتنياهو تقديم نفسه للإسرائيليين باعتباره الرجل القادر على حماية إسرائيل باستخدام القوة وفرض معادلات جديدة على المنطقة، لكن الحروب التي خاضها، وتلك التي وسع نطاقها، بدأت تكشف مفارقة مختلفة: كلما اتسعت دائرة النار، ازدادت الملفات التي تحتاج إلى حل.

في غزة، دخل الحرب بأهداف قصوى، وقدم للإسرائيليين وعوداً بتغيير الواقع الأمني بصورة جذرية.

وفي لبنان، حاول تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى واقع جديد ينهي خطر حزب الله.

ثم جاءت المواجهة مع إيران باعتبارها المعركة التي طالما قدمها بوصفها جوهر الخطر الذي يهدد إسرائيل.

لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النهاية السياسية. يمكن تدمير منشأة، أو اغتيال قائد، أو إلحاق أضرار كبيرة بقدرات عسكرية، لكن السؤال الأصعب يبقى دائماً: ماذا بعد؟

وهنا تكمن مشكلة نتنياهو الحقيقية، فهو يفتح الجبهات بسهولة أكبر مما يستطيع إغلاقها، وكلما حاول تحقيق حسم عسكري سريع وجد نفسه أمام شبكة أوسع من الحسابات الإقليمية والدولية.

وتزداد المسألة تعقيداً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالتقارب بين الرجلين لا يعني تطابق حساباتهما.

واشنطن تنظر إلى المنطقة من زاوية مصالح أميركية أوسع، بينما يرتبط نتنياهو، إضافة إلى حساباته الأمنية، بحسابات ائتلافه السياسي ومستقبله الشخصي.

وهنا تصبح الحرب الخارجية جزءاً من المعركة الداخلية. فنتنياهو يواجه انتخابات قادمة، وملفات قضائية لم تغلق، وتراجعاً في صورته السياسية، فيما لم تعد وعود (النصر) كافية وحدها لإقناع الإسرائيليين بأن كل جبهة جديدة تقربهم من الأمن. ومن هذه الزاوية يمكن فهم بعض التطورات الأخيرة في سورية.

فالغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور لم تكن مجرد ضربة لمنشأة عسكرية سورية، بل جاءت في سياق محاولة واضحة للتأثير في شكل الحضور الإقليمي داخل سورية، ولا سيما الحضور التركي المتنامي. لكن الضربة لم تنتج بالضرورة النتيجة التي كان يمكن أن تراهن عليها إسرائيل.

تركيا لم تنجر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وواشنطن تحركت لمنع تحول الاحتكاك إلى صدام تركي – إسرائيلي.

 بينما أثارت الضربة انتقادات باعتبارها تصعيداً غير ضروري، كما وصفها المبعوث الأميركي توم باراك.

لقد أظهر هذا العدوان على دولة جارة ودون مبرر أن نتنياهو رجل معتدي يعبث بالأمن الإقليمي والدولي، في وقت يحتاج فيه العالم إلى مزيد من التهدئة، فأضاف هذا العدوان جريمة جديدة إلى سجله الحافل بالانتهاكات.

وهنا تظهر نقطة مهمة: قد تستطيع إسرائيل اختيار هدفها، لكنها لا تستطيع اختيار ردود الآخرين عليها.

ولو تحولت الضربة إلى مواجهة تركية إسرائيلية، لكان نتنياهو قد حصل على مشهد إقليمي يمكن توظيفه سياسياً باعتبار إسرائيل في مواجهة (خطر تركي). لكن أنقرة اختارت عدم منحه هذه الفرصة، وفضلت إدارة الأزمة سياسياً ودبلوماسياً.

وفي الوقت نفسه، كانت سورية تتحرك في اتجاه آخر: إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، واستثمار موقعها في المعادلة الجديدة بدلاً من أن تكون مجرد ساحة للصراع بين الآخرين.

وهذا هو الجانب الذي يجب ألا يغيب عن قراءة الأحداث. فسورية الجديدة لا تبحث عن وصاية جديدة بعد عقود من التدخلات الخارجية، وإنما تعمل على بناء شبكة علاقات وشراكات تخدم قرارها الوطني.

وزيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى باكستان، وحديثه عن دراسة الانضمام إلى اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، مثال على هذا الاتجاه.

إنها ليست عملية انتقال من محور إلى محور، وإنما محاولة لبناء مساحة سورية أوسع من الخيارات. وهذا تحديداً ما يجعل سياسة نتنياهو أكثر تعقيداً.

فكلما حاول فرض سقف على حركة سورية الجديدة، أو منع تشكل علاقات إقليمية حولها، وجد أن المنطقة نفسها تتحرك في اتجاه أكثر تعدداً.

وكلما حاول الضغط على تركيا، ظهرت ترتيبات جديدة بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، وبدأت دمشق تبحث في إمكان أن تكون جزءاً منها وفق مصالحها وقرارها.

وهنا لا تصبح المشكلة الإسرائيلية في قوة خصم واحد، وإنما في تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.

لقد اعتادت إسرائيل أن تستفيد من انقسام المنطقة وتنافس قواها، وأن تتعامل مع الدول العربية باعتبارها ملفات منفصلة.

أما عندما تبدأ هذه الدول ببناء شراكات متعددة المستويات، وتستعيد سورية دورها وتوسع خياراتها، فإن قواعد اللعبة تصبح أكثر تعقيداً.

ولهذا فإن أخطر ما يواجه نتنياهو اليوم ليس خصماً عسكرياً بعينه، وإنما اتساع الفجوة بين مشروع يقوم على تصدير أزماته إلى محيطه، وواقع إقليمي يثبت كل يوم أن الأزمات لا تُدفن تحت أنقاض الغارات الجوية.

فالقصف قد يدمر هدفاً، لكنه لا يصنع بالضرورة نتيجة سياسية، والاغتيال قد يزيل شخصاً، لكنه لا يلغي القضية التي يقاتل من أجلها، وفتح جبهة جديدة قد يؤجل أزمة، لكنه لا يحلها.

والأهم أن الضربة التي لا تنتج الخضوع قد تنتج تكتلات جديدة، والضغط الذي يستهدف عزل طرف قد يدفع أطرافاً أخرى إلى مزيد من التقارب.

وهذا ما يجعل مستقبل نتنياهو السياسي أكثر ارتباطاً بنتائج سياساته من أي وقت مضى.

فالمشكلة لم تعد في قدرته على بدء العدوان، لقد أثبت أنه قادر على ذلك.

المشكلة هي أنه بعد كل بداية يجد نفسه أمام نهاية لا يستطيع التحكم بها.

غزة لم تمنحه النهاية التي وعد بها، ولبنان لم يُحسم كما أراد، والمواجهة مع إيران لم تتحول إلى خاتمة بسيطة للخطر، والضغط على سورية لم يمنعها من إعادة بناء قوتها وتوسيع علاقاتها، فيما بقي مستقبله السياسي والقضائي مفتوحاً على احتمالات صعبة.

وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم ينتبه إليها نتنياهو:

كلما حاول تصدير أزماته إلى الخارج، عاد جزء منها إليه بصورة أكثر تعقيداً.

لقد يستطيع أن يختار متى تبدأ الغارة، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده كيف ستعيد المنطقة ترتيب نفسها بعدها.

نتنياهو يجيد البدء.. لكنه يجهل النهاية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني