اقتصاد دير الزور المنهك.. إهمال مقصود وثروة منهوبة

0 15

1- تمهيد: اقتصاد الهروب

اقتصاد دير الزور في حالة مأساوية وبسيطة جدا لأنه يقوم على الزراعة والرعي. أما ثروته من النفط فهي منهوبة، والصناعة والخدمات الحديثة مهملة عن قصد.

لن ندخل في مماحكة الإحصائيات على أهميتها إلا أننا في زمن المصائب ننظر في نتائج الأعمال أكثر من الأرقام الخاضعة للجدل. ولكن من المؤكد أن اقتصاد دير الزور على بساطته اليوم بعد سنة ونصف على سقوط النظام البائد لم يستعد أكثر من 40% من قدرته الإنتاجية عام 2011. ومع انهيار الصحة، والتعليم أصبحت المحافظة مصدراً للهجرة الاقتصادية بدلاً من استعادة أبنائها المهجرين، إنه اقتصاد الهروب والنهب.

2- ما هو اقتصاد دير الزور؟

بالمعنى الاقتصادي العام فإن اقتصاد دير الزور يقوم على نشاطين الأول هو نشاط الزراعة المروية من نهر الفرات من القمح والشعير، والقطن، والخضروات الفواكه. والنشاط الثاني هو الرعي، أي على تربية المواشي في القرى أو في البادية. وهذان النشاطان يشيران بوضوح إلى أن اقتصاد دير الزور هو اقتصاد تقليدي موصوف بضعف الإنتاجية وأساليب الإنتاج القديمة. وهذا الاقتصاد عادة يولد الفقر والبطالة الموسمية العالية، ويخبرنا لماذا الفقر والبطالة باستمرار تنهشان أجساد السوريين في هذه المحافظة (بل في كل المنطقة الشرقية). أما الأنشطة الصناعية والخدمية الحديثة فهي محدودة جداً بعد عدد من المحاولات الفاشلة في العقود الأخيرة.

وما زاد الطين بلة أن الدولة سيطرت على كل وسائل ومستلزمات الإنتاج والتسويق الزراعي مثل وسائل الري والأسمدة والبذور انتهاء بشراء المحاصيل وفق تسعيرة تراعي الخزينة العامة على حساب جهود الفلاح المسكين. فنتج عن ذلك إفقار آخر من الدولة التي تمسك مفاتيح الاقتصاد وإفقار كبير من خلال التسعير للقطن والقمح. ما أدى إلى عزوف الفلاحين عن الاستمرار بالزراعة والسعي للهجرة خارج المحافظة. وهذا ما لاحظناه بوتيرة متسارعة منذ سقوط النظام البائد.

3- إهمال مقصود

الإهمال كان اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. لماذا نتهم الحكومة بالإهمال المقصود؟ لأن الواقع يشير إلى إهمال عام في كل النواحي الاقتصادية والاجتماعية. ولأنه على أرض الواقع يشمل كل شيء تقريباً فهو مقصود حتماً لغاية لا يعلمها إلا من أهمل. بما أنه بحكم تركيبة الدولة منذ أيام الأسد التي تسيطر فعلاً على كل جوانب الزراعة من الري إلى مستلزمات الإنتاج إلى التسويق الإجباري فإنه من المفروض أن تسعى إلى إصلاح ما تخرب وهو قليل بوجود الخبرة والمعرفة الزراعية. ولكنه يبدو كأن الحكومة في غيبوبة. ولا ألوم وزير الزراعة الضعيف وإنما ألوم من عينه وزيراً في أخطر مجال إنتاجي في سورية.

إذاً، الحكومة لا تهتم بغذاء السوريين فبماذا تهتم؟ بالأبراج السكنية الفاخرة لأبناء الخياط ذوي السمعة المشبوهة بمشاريعهم أيام الأسد.

4- ثروة منهوبة

أول ما يخطر على بال كل ديري أن النفط المستخرج من أرضه ينهب ويختفي ولا تستفيد منه حتى الدولة السورية من أيام الأسد الأب المجرم وحتى اليوم. لو أنفق نسبة 5% من عائدات النفط على تنمية اقتصاد دير الزور والمنطقة الشرقية لما رأينا هذا الانهيار التام والنزعة إلى الهجرة خارج المحافظة، حتى لو كانت إلى جهنم.

هذا بالنسبة إلى الثروة المعدنية، أما النهب المنظم من الدولة لجهد الفلاح فهو شامل وبدأ منذ أيام سيطرة الفكر الاشتراكي الأهبل في ستينيات القرن الماضي.. لقد صمموا عملية تسويق المنتجات الزراعية إجبارياً مثل القمح والقطن بأسعار متدنية لا تغطي تكلفة الإنتاج أحياناً. وتضع الفلاح في دائرة الفقر المتواصل. لقد استعاروا بسذاجة نظرية روستو التعيسة التي تعني إفقار الريف من أجل خزانة الدولة ورفاهية أبناء المدن. وهذا ما طبقته الحكومة الانتقالية عام 2026 على كل السوريين وخاصة دير الزور والمنطقة الشرقية أثناء تسعير موسم القمح. لهذا نجد أن أغلب شباب المنطقة يعملون الآن في أربيل وفي لبنان وفي الأردن كأنهم “عبيد سخرة” هرباً من الموت ذلاً أو جوعاً في دير الزور.

5- زبدة الكلام

لقد حان الوقت لان يكون لأبناء دير الزور رأي بما يجري في محافظتهم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بدلاً من مركزية بهيمية تقوم على النهب والتجاهل.

ماذا سنقول لأبنائنا؟ بعد سقوط نظام الأسد أصبحنا أسوأ حالاً من حيث انهيار الزراعة والتعليم والصحة، وغياب أثر النفط عدا آثار التلوث والأمراض؟ هل يجوز للجائع أن يبقى صامتاً وهو يرى حياته تتبخر أمامه سدى؟ لا.. لا أظن.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني