الحياة السياسية في المنطقة الشرقية بين الماضي والحاضر

0 12

من يعود لتاريخ المنطقة الشرقية في سورية، الممثلة بمقاطعة دير الزور التي كانت تتبع لها الحسكة والرقة، ويعود لأرشيفها السياسي، سيكتشف أن هذه المنطقة كانت سباقة في الحياة السياسية وتنظيم المجتمع المدني والنشاط الثقافي، وخاصة في دير الزور حاضرة المنطقة. وهناك وثائق يزخر بها أرشيف الدولة العثمانية والأرشيف الفرنسي، تشهد لشخصيات وتجمعات مرت بتاريخ المدينة، ساهمت بنشاطات وطنية وعلمية وثقافية أثرت في مسار حركة التطورات الحضارية في سورية. فقد ساهمت شخصيات وطنية ديرية بالحركات الوطنية منذ عشرينيات القرن الماضي وتأسست جمعيات وتجمعات مدنية عملت على رفع المستوى التعليمي والثقافي الذي مهد لخلق تجمعات سياسية فرضت دورها في مقارعة الاحتلال العثماني وبعدها الفرنسي، وشاركت في الحركات الوطنية والأحزاب السياسية التي انبثقت عنها مع نهاية الانتداب وبداية الاستقلال، كالحزب الوطني وحزب الشعب رغم انتمائهما لحلب ودمشق، بل توصلت شخصيات إلى صدارة هذه التنظيمات وتحمل مسؤوليات حكومية مرموقة.

ومع مرحلة تشكيل الأحزاب السياسية كان لشخصيات دير الزور الدور الفعال في تأسيسها مثل المرحوم جلال السيد كأحد مؤسسي حزب البعث واستقطابه نخبة شابة ممن لعبوا دوراً كبيراً في انتشار هذا الحزب قبل أن ينقلب عليهم التيار العسكري الطائفي الذي تسلل وحرف البوصلة. كما علينا ألا ننسى دور د. حسن الهويدي ود. أحمد السراج في تأسيس حركة الإخوان المسلمين في سورية. والشخصيات التي أسست الحزبين الشيوعي والقومي السوري الاجتماعي في المنطقة وكان لهما حضور لافت في المنطقة.

كانت محافظة دير الزور تزخر بالتفاعل السياسي والحوارات الوطنية والصراعات بين القوى السياسية ولكن بصورة حضارية والاعتراف بحق الاختلاف، وبالرغم من التركيبة العشائرية للمحافظة والمنطقة بما فيها المدينة فإن الانتخابات النيابية والترشيحات للمسؤوليات كانت تأخذ طابع الكفاءة والخبرة قبل الانتماء العشائري مع افتخار هؤلاء بالانتماء لعشائرهم وعدم تنكرهم لدورها الوطني.

مرحلة التصحر السياسي

شهد نصف القرن الأخير حالة تصحر سياسي في كل سورية بما فيها محافظة دير الزور بعد هيمنة نظام عائلة الأسد على البلاد، وحكمها بطريقة دكتاتورية عسكرية وأمنية بغلاف طائفي اعتمد على قمع الحركات السياسية، وتنظيمات المجتمع المدني، بتنصيب هياكل مصطنعة فارغة المحتوى وتهميش الفعاليات والشخصيات السياسية بل قمعها وملاحقتها بالاعتقال والتشريد. كما عمد على تفتيت العشائر وتنصيب مشايخ رخيصين لا يحظون باحترام أبناء عشيرتهم وربطهم بأجهزة الأمن مباشرة. كما لعب على وتر صراع الريف والمدينة لتهميش وعزل الشخصيات الوطنية السياسية واعتقالها واغتيال بعضهت، وتنصيب عملاء مصفقين بدلاً عنها في صدارة المشهد السياسي.

ولم يكن حصاراً سياسياً فحسب بل همش المنطقة وحرمها من برامج التنمية وأهمل البنية التحتية في كل المرافق رغم أنها تعد خزان سوريا الاقتصادي وأهم مصادر ثرائها ونهضتها.

وإمعاناً في التهميش والانتقام، فقد شهدت المحافظة بمدينتها وحواضرها تدميراً غير مسبوق خلال مرحلة الثورة عبر عن حقد هذا النظام الساقط على المنطقة ونخبها الوطنية والثقافية.

وفي الختام أوجه نداء لأبناء هذه المنطقة والسلطة القائمة بأن تتوحد الجهود لتجاوز مرحلة الإهمال والتهميش وإعادة تنشيط دور المنطقة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وفتح الهوامش لإعادة تنشيط الحياة السياسية والمدنية للمساهمة باستعادة دور المنطقة وسورية السياسي والاقتصادي والحضاري كما كانت رائدة في خمسينيات القرن الماضي عندما احتلت صدارة قائمة الدول المتحضرة والمتقدمة اقتصادياً وسياسياً في وقت كانت فيه دول أوربية ترزح تحت سلطة النازية “ألمانيا” والفاشية “إيطاليا” والدكتاتورية “أسبانيا”.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني