
بعد أن انتقلت تجربة السوريين في ألمانيا من مرحلة الوصول والبحث عن الأمان إلى مرحلة بناء الحياة، ظهرت تحديات جديدة تختلف بطبيعتها عن تحديات السنوات الأولى.
فلم يعد السؤال الأساسي بالنسبة للكثيرين: كيف نبدأ حياتنا في بلد جديد؟
بل أصبح السؤال الأعمق: كيف نفهم المجتمع الذي نعيش فيه بشكل كامل؟
وكيف نحول وجودنا في ألمانيا إلى مسار طويل الأمد يقوم على المعرفة، والتخطيط، والاستقلال، والقدرة على اتخاذ القرار؟
ويرى المرشد التربوي عقبة الجاسم، من خلال تجربته في مجالات الإرشاد الاجتماعي والمهني ومتابعة أوضاع السوريين في ألمانيا، أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مهماً من مرحلة التعامل مع الواقع الجديد إلى مرحلة بناء المستقبل.
فبينما استطاعت فئات واسعة تجاوز الصعوبات الأولى، ما تزال فئات أخرى تواجه تحديات مرتبطة بفهم النظام، والوصول إلى المعلومات الصحيحة، والقدرة على التخطيط لمسار واضح.
ما بعد الوصول… تحدي فهم النظام الجديد:
رغم مرور سنوات طويلة على وجود السوريين في ألمانيا، ما تزال بعض التحديات المرتبطة بفهم الحياة داخل المجتمع الألماني حاضرة لدى جزء من الجالية السورية.
فالإقامة، والدوائر الحكومية، والقوانين، والتعليم، وسوق العمل، كلها مجالات تحتاج إلى معرفة متراكمة لا يتم اكتسابها دائماً بسهولة.
لكن التحدي اليوم لم يعد فقط في التعامل مع الإجراءات، بل في فهم البيئة التي يعيش فيها الإنسان.
فالمجتمع الألماني يعتمد بشكل كبير على قدرة الفرد على الوصول إلى المعلومات، ومعرفة الخيارات المتاحة، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
وهنا تظهر الفروقات بين الأشخاص؛ فهناك من استطاع بناء معرفة تساعده على إدارة حياته باستقلالية، وهناك من لا يزال يحتاج إلى التوجيه لفهم الطريق الصحيح.
المعرفة… الفارق بين التعامل مع الحاضر وبناء المستقبل:
يرى الجاسم أن المعرفة أصبحت أحد أهم عوامل النجاح في المرحلة الحالية.
فالإنسان قد يستطيع تدبير أموره اليومية، لكنه يحتاج إلى مستوى مختلف من المعرفة عندما يبدأ التفكير بالمستقبل؛ سواء في اختيار التعليم، أو تطوير المهنة، أو بناء الاستقرار الاقتصادي.
ويشير إلى أن القدرة على الاستفادة من الفرص لا ترتبط فقط بوجود الفرصة، بل بقدرة الإنسان على معرفتها والوصول إليها.
فكثير من المسارات التعليمية والمهنية متاحة في ألمانيا، لكن الوصول إليها يحتاج إلى فهم النظام، ومعرفة المتطلبات، واختيار الطريق المناسب.
وهنا تصبح المعرفة أداة تمكين، وليست مجرد معلومات.
تفاوت التجارب… بين من يحتاج الدعم ومن يصنع المستقبل:
لا يعيش جميع السوريين التجربة نفسها في ألمانيا.
فبعض الأشخاص استطاعوا خلال سنوات قليلة تعلم اللغة، وفهم النظام، ودخول سوق العمل، وبناء مسار مستقل.
وفي المقابل، توجد فئات تحتاج إلى دعم مستمر بسبب عوامل مختلفة، مثل العمر، أو الظروف الصحية، أو صعوبات التعلم، أو محدودية الوصول إلى المعلومات.
لكن الجاسم يؤكد أن الهدف من الدعم ليس إبقاء الإنسان في حالة اعتماد، بل مساعدته على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاستقلال.
فالمساعدة الحقيقية هي التي تمنح الإنسان القدرة على إدارة حياته بنفسه، واتخاذ قراراته بثقة.
التوجيه المهني… من اختيار وظيفة إلى بناء مسار حياة:
من الأفكار الأساسية التي يركز عليها عقبة الجاسم مفهوم التوجيه المهني.
فهو لا يرى التوجيه المهني مجرد مساعدة في اختيار مهنة محددة، بل يعتبره عملية مستمرة تبدأ منذ مراحل مبكرة من حياة الإنسان وترافقه خلال تطوره الشخصي والمهني.
فالنجاح في المجتمع الألماني لا يعتمد فقط على الحصول على عمل، بل على اختيار مسار يناسب قدرات الإنسان وطموحه واحتياجات سوق العمل.
وفي ظل تعدد الخيارات التعليمية والمهنية في ألمانيا، يصبح امتلاك المعرفة المهنية عاملاً أساسياً لتجنب القرارات العشوائية.
فالسؤال لم يعد فقط: “ما العمل الذي أستطيع الحصول عليه؟”
بل أصبح: “ما المسار الذي يمكن أن أبني من خلاله مستقبلي؟”
من رد الفعل إلى التخطيط:
يرى الجاسم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال السوريين من التعامل مع الظروف بشكل يومي إلى التفكير بطريقة أكثر استراتيجية.
فالبقاء الطويل في بلد جديد يتطلب التخطيط، وليس فقط التكيف.
والشخص الذي يعرف حقوقه وواجباته، ويفهم فرص التعليم والعمل، ويعرف نقاط قوته، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تخدم مستقبله ومستقبل أسرته.
كما أن دور الجالية لا يقتصر على تقديم المساعدة في الحالات الفردية، بل يمكن أن يتحول إلى نشر المعرفة، وتبادل الخبرات، وبناء مبادرات تساعد الناس على الوصول إلى الخيارات الأفضل.
المستقبل يبدأ من القدرة على الاختيار:
بعد أكثر من عقد على التجربة السورية في ألمانيا، تغيرت طبيعة التحديات.
في البداية كان التحدي هو الوصول والاستقرار.
أما اليوم، فأصبح التحدي هو بناء الإنسان القادر على الاختيار، والتطور، وصناعة مستقبله.
فألمانيا تقدم فرصاً واسعة في التعليم والعمل والتطوير، لكن الاستفادة من هذه الفرص تحتاج إلى معرفة، وإلى رغبة في التعلم، وإلى قدرة على التخطيط.
وبين فئة ما تزال تحتاج إلى الدعم، وفئة بدأت تتحول إلى قوة مهنية وتعليمية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التجربة السورية في ألمانيا.
مرحلة لا يكون فيها السوري فقط مستفيداً من الفرص الموجودة، بل شريكاً في صناعتها.
ويبقى السؤال الذي يقود إلى الحلقة القادمة: كيف يمكن لجيل جديد نشأ داخل المجتمع الألماني أن يحافظ على جذوره، ويبني في الوقت نفسه هوية متوازنة بين الثقافة السورية والانتماء الألماني؟