حين تستعيد الدولة حدودها.. تبدأ باستعادة نفسها

0 17

ليست الحدود مجرد نهاية للجغرافيا، بل هي البداية الحقيقية للدولة. فعند المعابر لا تتحدد فقط حركة الأشخاص والبضائع، وإنما تتحدد أيضاً قدرة السلطة العامة على فرض القانون، وجباية الإيرادات، وتنظيم التجارة، واحتكار استخدام القوة. ولهذا، فإن الدول لا تُقاس سيادتها بما ترسمه الخرائط، بل بما تستطيع مؤسساتها أن تديره على خطوطها الحدودية.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى إعلان السلطات السورية عن ضبط شاحنات أسلحة قادمة عبر الحدود العراقية بوصفه نجاحاً أمنياً معزولاً، بل باعتباره اختباراً لقدرة الدولة على استعادة إحدى أهم وظائفها السيادية. فالقضية ليست شحنة أسلحة بحد ذاتها، وإنما السؤال الذي تطرحه: هل بدأت سوريا بالفعل تفكيك البنية التي أنتجت اقتصاد الحدود خلال سنوات الحرب، أم أنها ما تزال تلاحق مظاهره دون أن تمس جذوره؟

فالحدود، في الدول الخارجة من النزاعات، ليست مجرد نقاط عبور، وإنما مؤسسات سياسية واقتصادية في آن واحد. ومن خلالها يمكن قياس انتقال الدولة من إدارة الصراع إلى إدارة النظام. ولهذا السبب، كثيراً ما تبدأ عملية إعادة بناء الدولة من الأطراف قبل أن تكتمل في المركز؛ لأن المعابر هي المكان الذي تستعيد فيه الدولة احتكارها للقرار، قبل أن تستعيد احتكارها الكامل للسلطة.

وخلال سنوات الحرب السورية، لم تتراجع سيطرة الدولة على الحدود فحسب، بل نشأت منظومة اقتصادية كاملة حولها. فمع انهيار المؤسسات، وتعدد القوى المسيطرة، وتشابك المصالح المحلية والإقليمية، تحولت أجزاء واسعة من الحدود إلى فضاءات لإنتاج اقتصاد موازٍ، لم يعد يعتمد على عمليات تهريب متفرقة، بل على شبكات منظمة راكمت الخبرة والموارد والعلاقات العابرة للحدود. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الاقتصاد غير المشروع جزءاً من بنية الحرب نفسها، لا مجرد نتيجة لها.

ولهذا، فإن اختزال المشكلة في شحنة مضبوطة أو معبر مغلق يسيء فهم طبيعة الظاهرة. فشبكات التهريب لا تعتمد على طريق واحد، ولا على مجموعة أفراد يمكن استبدالهم، وإنما على منظومة متكاملة من المصالح والحوافز والفراغات المؤسسية. وما دام الطلب قائماً، والربح مرتفعا، والرقابة ضعيفة، فإن هذه الشبكات تعيد إنتاج نفسها باستمرار، حتى وإن تغيرت مساراتها أو وجوهها.

من هنا، فإن نجاح الدولة لا يقاس بعدد الضبطيات، بل بقدرتها على جعل التهريب خياراً غير مجدٍ اقتصاديا قبل أن يكون محظوراً قانونياً. وهذه هي النقطة التي تميز بين المقاربة الأمنية التقليدية ومقاربة بناء الدولة. فالأولى تطارد النتائج، أما الثانية فتغير البيئة التي تنتجها.

ولهذا أيضاً، فإن إدارة الحدود لم تعد في التجارب الحديثة مسألة أمنية بالمعنى الضيق، بل أصبحت جزءاً من منظومة الحوكمة العامة. فالمعبر الناجح لا يقوم على كثرة الحواجز أو شدة التفتيش، وإنما على تكامل المؤسسات، ورقمنة الإجراءات، وإدارة المخاطر، وشفافية الجمارك، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتبادل المعلومات، بحيث تصبح حركة التجارة المشروعة أكثر سهولة، بينما ترتفع كلفة الأنشطة غير المشروعة إلى الحد الذي يفقدها جدواها الاقتصادية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الحالة السورية، لأن إعادة بناء الحدود تتجاوز بعدها الأمني لتصبح ركيزة من ركائز التعافي الاقتصادي. فالمعابر ليست منافذ جمركية فقط، وإنما شرايين تربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإقليمية، ومصدراً رئيسياً للإيرادات العامة، وعاملاً مؤثراً في ثقة المستثمرين، وكفاءة سلاسل الإمداد، وتنافسية القطاع الخاص. وكلما ارتفعت كفاءة إدارة الحدود، تقلص الاقتصاد الموازي، واتسعت مساحة الاقتصاد الرسمي، وازدادت قدرة الدولة على تمويل خدماتها دون الاعتماد على موارد استثنائية.

ولعل ما تشهده المنطقة اليوم من إعادة تشكيل للممرات التجارية وشبكات النقل والطاقة يمنح هذا الملف بعداً إضافياً. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، بل أيضاً على أن تكون عقدة لوجستية داخل الاقتصاد الإقليمي. وفي هذا السياق، تصبح الحدود مورداً اقتصادياً واستراتيجياً، لا يقل أهمية عن الموانئ أو البنية التحتية أو الموارد الطبيعية. ومن ثم، فإن كفاءة إدارة المعابر ستحدد، إلى حد كبير، موقع سوريا في خرائط التجارة الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب ما هو أكثر من تحديث المعدات أو تشديد الرقابة. فإعادة بناء الحدود تعني، في جوهرها، إعادة بناء العلاقة بين الدولة والسوق. إذ لا يمكن إنهاء الاقتصاد غير المشروع إذا بقي الاقتصاد المشروع عاجزاً عن المنافسة، ولا يمكن مكافحة التهريب إذا كانت الإجراءات النظامية أكثر كلفة وتعقيداً من الالتفاف عليها. ولذلك، فإن إصلاح الحدود يبدأ بإصلاح المؤسسات، لا بإضافة الحواجز.

إن التجارب المقارنة تؤكد أن الدولة لا تستعيد سيادتها عندما تمنع عبور شحنة مخالفة، بل عندما تصبح جميع الأطراف مقتنعة بأن الالتزام بالقانون أقل كلفة وأكثر ربحاً من خرقه. وعند هذه النقطة، لا يعود القانون مجرد أداة للعقاب، بل يصبح الإطار الذي ينظم النشاط الاقتصادي ذاته.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار السوري ليس: كم شحنة أمكن ضبطها هذا العام؟ بل: هل أصبحت الحدود تنتج اقتصاداً مشروعاً أكثر مما تنتج اقتصاداً غير مشروع؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت سوريا تستعيد حدودها بالفعل، أم أنها تكتفي بإدارة آثار الحرب.

وفي نهاية المطاف، لا تبدأ عملية بناء الدولة من العاصمة وحدها، بل تبدأ أيضا من المعابر. فهناك، عند النقطة التي تعبر منها البضائع والأموال والأفكار، يتحدد ما إذا كانت الدولة قادرة على فرض قواعدها على المجال الذي تدّعي السيادة عليه. وحين تتحول الحدود من مصدر للريع غير المشروع إلى بوابة للإنتاج والتجارة والقانون، لا تكون الدولة قد استعادت معابرها فحسب، بل تكون قد استعادت إحدى أهم ركائز وجودها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني