
منطق العائد في الصدقة: قراءة اقتصادية للفعل الاجتماعي (1-3)
في التصوّر الأخلاقي الشائع، تُفهم الصدقة بوصفها خروجاً من حسابات الربح إلى مساحة العطاء الخالص. غير أنّ النظر إليها بعين اقتصادية يكشف مساراً مغايراً: فالعطاء، في ممارسته اليومية، لا ينفصل تماماً عن منطق العائد، بل يُعاد تنظيمه وفق حسابات دقيقة، حتى وإن اتخذت هذه الحسابات لغة دينية أو رمزية.
يتجلّى ذلك بوضوح في مجتمعات ذات مرجعية إسلامية، حيث يسود اعتقاد واسع بأن بناء المساجد هو الشكل الأكثر جرياناً للصدقة. لا يُنظر إلى هذا الخيار فقط كفعل تعبّدي، بل كاختيار عقلاني يضمن استمرار الأجر عبر الزمن. كثيرون لا يناقشون هذا التصوّر، بل يتعاملون معه كأفضل توظيف ممكن للمال في مجال العطاء. هنا، لا يعود المسجد مجرد فضاء للعبادة، بل يتحوّل ضمن هذا المنطق إلى ما يشبه استثماراً رمزياً طويل الأجل.
بهذا المعنى، لا يتغيّر منطق المال بقدر ما تتغيّر لغته. فالذي كان يُقاس في السوق بعائد مالي، يُعاد قياسه هنا بعائد أخروي أو رمزي. وإذا استعرنا تحليل (Pierre Bourdieu)، يمكن القول إن المال يتحوّل إلى رأس مال من نوع آخر: مكانة اجتماعية، سمعة، أو شعور بالإنجاز الأخلاقي. لكن فكرة التراكم تبقى حاضرة، وإن خرجت من المجال الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي.
تظهر المفارقة حين يصبح الاختيار بين أوجه الصدقة قائماً على معيار الاستمرارية: أيّها يضمن عائداً أطول؟ أيّها ينتج بعد خروج المال من ملك صاحبه؟ في هذه اللحظة، يتراجع سؤال الحاجة الفعلية، ويصعد مكانه سؤال العائد. قد تكون هناك مجالات أكثر إلحاحاً، كالتعليم أو الصحة، لكن وضوح العائد في بناء مسجد يجعله الخيار الأكثر جذباً. وهنا يتحوّل الفعل من استجابة لحاجة اجتماعية إلى استجابة لمنطق حسابي، حتى وإن بقي هذا المنطق مموّهاً بلغة دينية.
الأهم أن هذا السلوك لا يُنظر إليه بوصفه تناقضاً، بل كدليل على حسن التدبير. فاختيار الصدقة الجارية يُقدَّم كخيار أذكى، لأنه يضمن استمرارية الأثر. ويمكن هنا استحضار فكرة (Max Weber) حول تعقيل الفعل، حيث لا تُلغى القيم، بل تُدار بوسائل عقلانية. يصبح العطاء، بهذا المعنى، فعلاً محسوباً، موجّهاً نحو تحقيق أفضل نتيجة ممكنة.
لذلك، لا يختفي منطق الربح، بل يعيد تموضعه. يخرج من السوق ليدخل إلى الضمير، ويتحوّل من فائدة إلى أجر وثواب، ومن استثمار إلى صدقة جارية. المفارقة أنّ الفعل الذي يُفترض أنه تحرّر من منطق العائد، يُعاد تشكيله وفق هذا المنطق نفسه، ولكن بلغة أكثر طمأنينة.
بهذا المعنى، لا تكون المسألة في صدق النية أو غيابها، بل في البنية الذهنية التي تنظّم الفعل. فحتى في أكثر الممارسات أخلاقية، يستمر منطق العائد في العمل لا بوصفه انحرافاً، بل كآلية خفية تعيد تشكيل العطاء من الداخل.