الأمن أولاً والسياسة لا تغيب.. ماذا يريد نتنياهو من سوريا؟

0 12

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، نظرت إسرائيل إلى ما يجري في سوريا من زاوية أمنية. فالمشكلة في تل أبيب لم تكن هوية السلطة بقدر ما كانت طبيعة التهديدات على الحدود الشمالية، لذلك ركزت على منع تعاظم النفوذ الإيراني ووقف انتقال الأسلحة النوعية إلى جهات تعتبرها معادية، أكثر من اهتمامها بشكل النظام السياسي في دمشق.

نفذت إسرائيل، منذ 2013، مئات الضربات الجوية داخل سوريا استهدفت مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة، بهدف إضعاف مصادر التهديد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

لكن مع انهيار النظام السابق وهروب بشار الأسد في أواخر 2024، دخلت السياسة الإسرائيلية مرحلة مختلفة. ففي الأيام الأولى من التحرير شنت إسرائيل واحدة من أوسع حملاتها العسكرية داخل سوريا، وبررت ذلك بمنع وقوع الأسلحة الاستراتيجية في أيدي جهات غير معروفة، بينما رأى كثير من المحللين أنها استغلت الفراغ الأمني والانشغال السوري الداخلي لتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية السورية، بما يضمن استمرار تفوقها ويصعّب إعادة بناء جيش يمتلك قدرات استراتيجية.

ويضاف إلى ذلك استمرار الشكوك تجاه القيادة السورية الجديدة بسبب الخلفية الجهادية لبعض مكوناتها، رغم الرسائل المتكررة التي أكدت فيها السلطة الجديدة سعيها إلى بناء دولة مؤسسات، واحترام القانون، وعدم فتح جبهات صراع مع دول الجوار.

ولا يتعلق الأمر فقط بمخاوف اليوم بل يرتبط بعقيدة إسرائيلية تقوم على منع ظهور أي قوة عسكرية عربية قادرة على تغيير ميزان الردع مستقبلاً. فمنذ خروج مصر من دائرة الصراع المباشر بعد اتفاقية كامب ديفيد، أصبحت إسرائيل أكثر حرصاً على ألا يبرز على حدودها جيش يمتلك قدرات استراتيجية، وهو ما يفسر السعي إلى إضعاف القدرات العسكرية السورية.

لكن فهم السياسة الإسرائيلية لا يكتمل من دون النظر إلى الداخل الإسرائيلي. فمنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019 يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لوائح اتهام بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، وانطلقت محاكمته في أيار/مايو 2020 وما تزال جلساتها مستمرة حتى اليوم. وفي الوقت نفسه، تستعد إسرائيل لانتخابات عامة يفترض إجراؤها بحلول أواخر 2026 وسط انقسام سياسي. ولا يعني ذلك أن نتنياهو يرسم سياسته تجاه سوريا بدافع الهروب من المحاكمة أو لتحقيق مكاسب انتخابية، لكن من الطبيعي أن تؤثر الملفات الأمنية في المزاج السياسي، وأن ينعكس نجاح أي رئيس وزراء في إدارتها على مكانته لدى الناخبين.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان نتنياهو يريد الحرب مع سوريا، بل أي سوريا يريد. والإجابة الأقرب أنه يريد سوريا مستقرة بما يكفي لضبط حدودها، لكنها غير قادرة على تشكيل تهديد عسكري لإسرائيل. كما أن استمرار الشكوك تجاه السلطة الجديدة يدفع تل أبيب إلى تقليص مصادر القوة العسكرية السورية إلى أن تتضح توجهات الدولة الجديدة.

في النهاية، تبدو السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا نتاج تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: عقيدة أمنية تقوم على منع التهديد قبل تشكله، ورؤية استراتيجية للحفاظ على التفوق العسكري ومنع تغير موازين القوى الإقليمية، واعتبارات سياسية داخلية تجعل أي نجاح أمني مكسباً للحكومة. وبين هذه العوامل، ستبقى العلاقة بين البلدين مرهونة بما ستسفر عنه المرحلة الانتقالية في سوريا، وبمدى قدرة القيادة الجديدة على بناء دولة مستقرة وقادرة، دون التفريط بحقها في استعادة سيادتها ومؤسساتها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني