
في اليوم العالمي للاجئين: عودة السوريين بين حلم الوطن وامتحان الأمان
أكثر من ثلاثة ملايين عادوا… لكن طريق العودة الكريمة ما زال مرتبطاً بالأمن والحقوق والاستقرار
بعد أكثر من عقد من اللجوء والنزوح، يعود ملف السوريين اليوم إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا باعتباره مجرد عودة جغرافية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة المرحلة الجديدة على توفير بيئة تحفظ للإنسان السوري حقه في العودة الآمنة والطوعية والكريمة.
وفي اليوم العالمي للاجئين، لا يطرح السؤال فقط حول عدد العائدين، بل حول جوهر القضية: هل انتهت الظروف التي دفعت ملايين السوريين إلى الرحيل؟ وهل أصبح الوطن قادراً على استقبال أبنائه ضمن شروط تحمي حياتهم وحقوقهم وكرامتهم؟
وبحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، بين لاجئ ونازح داخلي، إلى مناطقهم منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، فيما لا يزال ملايين آخرون يعيشون ظروف اللجوء والنزوح داخل سوريا وخارجها.
ويشير التقرير إلى أن سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أزال أحد أبرز العوائق السياسية والأمنية التي كانت تعيق عودة قطاعات واسعة من السوريين، لكنه لم يُنهِ التحديات المرتبطة بالأمن والقانون والخدمات والاقتصاد واستعادة الممتلكات.
عودة واسعة… لكن طريق الاستقرار لم يكتمل:
تشير بيانات التقرير إلى أن أكثر من 6.8 ملايين لاجئ سوري غادروا البلاد منذ آذار/مارس 2011 وحتى نهاية عام 2024، إضافة إلى أكثر من 6.9 ملايين نازح داخلي.
ومنذ نهاية عام 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ من دول اللجوء إلى سوريا، كما عاد أكثر من 1.8 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.
لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح العودة، فالمعيار الحقيقي يتمثل في قدرة الإنسان على العودة والاستقرار بأمان، واستعادة حياته ضمن بيئة قانونية وإنسانية مستقرة.
ويقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان:
“تزايد أعداد العائدين لا يكفي بذاته للحكم على اكتمال شروط العودة. فالمعيار الحقوقي يتمثل في أن يكون قرار العودة حراً ومستنيراً، وأن يجد العائدون بيئة قانونية وآمنة، وخدمات أساسية، وسبل عيش تتيح لهم الاستقرار دون خوف أو حرمان.”
فالعودة ليست فقط الوصول إلى المكان، بل القدرة على بناء حياة جديدة داخله.
من إدارة اللجوء إلى اختبار إعادة الإدماج:
يرصد التقرير تحولاً في الخطاب الدولي خلال الفترة الممتدة من منتصف عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، حيث انتقل الاهتمام من إدارة أزمة اللجوء والنزوح إلى بحث ملفات العودة وإعادة الإدماج والتعافي.
لكن العودة المستدامة تحتاج إلى أكثر من فتح الطريق؛ فهي تحتاج إلى أمن مستقر، وسيادة قانون، وخدمات أساسية، وفرص عمل، وضمانات تمنع تكرار أسباب النزوح.
فالعودة الحقيقية يجب أن تكون خياراً حراً، لا نتيجة ضغوط قانونية أو اقتصادية أو معيشية تدفع اللاجئ إلى العودة دون توفر شروط الحماية.
بين حلم العودة وضغوط الواقع:
رغم تزايد الحديث عن عودة السوريين، ما تزال أوضاع عدد من اللاجئين في دول الاستضافة تواجه تحديات قانونية وإنسانية.
وأشار التقرير إلى استمرار ضغوط على بعض السوريين في عدد من الدول المضيفة، مع بقاء ملف العودة محوراً للنقاش السياسي، خصوصاً في لبنان، إضافة إلى تغيرات في أوضاع السوريين في مصر خلال عام 2026 وفق ما أوردته الشبكة.
فالعودة الآمنة لا تعني فقط مغادرة بلد اللجوء، بل الوصول إلى بيئة لا تعيد إنتاج الخوف وعدم الاستقرار.
النزوح الداخلي… أزمة لم تُغلق بعد:
رغم عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم، فإن أزمة النزوح الداخلي ما تزال قائمة.
وبحسب التقرير، أدت تطورات أمنية جديدة في بعض المناطق، بينها أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، والمعارك بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا في كانون الثاني/يناير 2026، إلى موجات نزوح جديدة لعشرات الآلاف.
ولا تزال نحو 1126 مخيماً قائمة في شمال سوريا، بينها نحو 786 مخيماً في إدلب و340 مخيماً في ريف حلب، تؤوي قرابة 700 ألف نازح.
كما كشفت الفيضانات والسيول التي ضربت مناطق سورية في شباط/فبراير 2026 استمرار هشاشة أوضاع المخيمات، خصوصاً في ريف إدلب الغربي.
الخدمات والملكية… أساس العودة الحقيقية:
يسجل التقرير تحسناً محدوداً في بعض الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه، لكنه يشير إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والمواد الأساسية، إضافة إلى تفاوت واضح في مستوى التعافي بين المناطق.
فالعودة لا تستقر بلا مدرسة ومستشفى وفرصة عمل وخدمات تعيد للإنسان شعوره بأن الوطن أصبح قابلاً للحياة.
كما تبقى قضايا السكن والملكية من أبرز التحديات، إذ يواجه عدد من السوريين صعوبات في إثبات الملكية أو استعادة المنازل والممتلكات المتضررة أو المصادرة.
العودة الكريمة تبدأ من الحقوق:
يرى التقرير أن بناء عودة مستدامة يحتاج إلى سياسة وطنية واضحة تقوم على حقوق الإنسان، ومعالجة ملفات السكن والأرض والممتلكات، وتسهيل الإجراءات الرسمية، ودعم العائدين، وتعزيز الأمن المحلي.
كما دعا إلى دعم مسار العدالة الانتقالية وهيئات المفقودين، وضمان رقابة مستقلة على ظروف العودة، وربط برامج التعافي وإعادة الإعمار بمبادئ العدالة والمساءلة وعدم التمييز.
فالعودة ليست ملفاً إنسانياً فقط، بل جزء من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
هل تصبح العودة بداية وطن جديد؟
بعد سنوات طويلة من اللجوء والنزوح، تقف سوريا أمام مرحلة لا يكفي فيها فتح أبواب العودة، بل يجب أن يصبح الوطن نفسه مساحة آمنة للحياة.
فالعودة الحقيقية لا تُقاس بعدد العائدين فقط، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش بلا خوف، وأن يستعيد بيته وحقوقه وكرامته، وأن يشعر بأن عودته كانت بداية استقرار لا بداية معاناة جديدة.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل تنجح سوريا الجديدة في تحويل عودة السوريين من نهاية لرحلة اللجوء إلى بداية مشروع وطني يعيد بناء الإنسان والمجتمع والدولة على أساس الأمان والعدالة والكرامة؟