
قانون الجريمة المعلوماتية في سوريا الجديدة… اختبار التوازن بين أمن الدولة وحرية المواطن
في مراحل التحول الكبرى لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على إعادة بناء المؤسسات أو معالجة آثار الأزمات، بل بقدرتها على تأسيس علاقة جديدة مع مواطنيها تقوم على القانون والثقة واحترام الحقوق. وفي سوريا التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل بنيتها القانونية والسياسية، يبرز ملف الحريات الرقمية كأحد أهم الاختبارات أمام مستقبل الدولة.
فالمعركة اليوم لم تعد فقط حول إعادة الإعمار أو النهوض الاقتصادي، بل حول سؤال أعمق: كيف تحمي الدولة مجتمعها من الجرائم الإلكترونية، وتحافظ في الوقت نفسه على حق المواطنين في التعبير والنقد والمشاركة في الشأن العام؟
مع توسع استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح الفضاء الرقمي جزءاً أساسياً من الحياة العامة، ومجالاً للنقاش وتبادل المعلومات وصناعة الرأي. ومن هنا عاد الجدل حول قانون الجريمة المعلوماتية رقم /20/ لعام 2022، وسط مطالبات حقوقية بمراجعته وضمان عدم استخدامه بطريقة قد تؤدي إلى تقييد حرية التعبير.
ويلخص الأستاذ فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، جوهر هذا النقاش بقوله: “السؤال الأساسي هو: هل نريد قانوناً يحمي المجتمع من الجرائم الرقمية، أم قانوناً يخشاه الناس عندما يعبّرون عن آرائهم؟”
مكافحة الجرائم الرقمية… حماية المجتمع دون المساس بالحقوق:
لا أحد ينكر أن الجرائم المعلوماتية أصبحت تحدياً حقيقياً في العالم الحديث، من الاختراق الإلكتروني وسرقة البيانات إلى الابتزاز والاحتيال وانتهاك الخصوصية الرقمية.
وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن مكافحة هذه الجرائم هدف مشروع وضروري، لكن حماية الأمن الرقمي لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستخدام نصوص قانونية واسعة أو إجراءات قد تمس التعبير السلمي والنقاش العام.
ويشير فضل عبد الغني إلى أن القضية ليست في وجود القانون من عدمه، بل في طبيعة النصوص وآليات تطبيقها، لأن القانون الفعال هو الذي يحمي المجتمع من الجريمة دون أن يتحول إلى مصدر خوف للمواطن عندما يمارس حقه في التعبير.
قانون الجريمة المعلوماتية… بين الحماية ومخاطر التوسع:
ترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدداً من مواد قانون الجريمة المعلوماتية رقم /20/ لعام 2022 تحتاج إلى مراجعة قانونية، بسبب وجود عبارات واسعة وغير دقيقة قد تسمح بتفسيرات متعددة.
فالخطورة لا تكمن فقط في النصوص، بل في أثرها على المجتمع؛ إذ قد يؤدي الغموض التشريعي إلى دفع الصحفيين وصناع المحتوى والمواطنين إلى الرقابة الذاتية، والابتعاد عن النقاش العام خشية التعرض للملاحقة.
ويؤكد عبد الغني أن المطلوب ليس التخلي عن مكافحة الجرائم الرقمية، بل بناء قانون واضح يميز بين الجريمة التقنية الحقيقية وبين التعبير عن الرأي أو النقد المرتبط بالشأن العام.
الشرعية القانونية… لا عقوبة بلا نص محدد:
من أبرز القضايا التي يثيرها هذا الملف مبدأ الشرعية الجنائية وحدود التجريم.
ويشير فضل عبد الغني إلى أن العبارة الشائعة “لا عقوبة بدون نص” ليست كافية، موضحاً أن الصياغة القانونية الأدق هي: “لا عقوبة بدون نص قانوني محدد.”
فوجود النص وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون واضحاً ودقيقاً وقابلاً للتوقع، حتى يعرف المواطن حدود القانون، وحتى لا تتحول المساحات غير الواضحة إلى مجال لتوسيع دائرة التجريم.
فالعدالة القانونية لا تقوم فقط على وجود القاعدة، بل على وضوحها وعدالتها وقابلية تطبيقها دون تأويل واسع.
قضية حسان عقّاد… اختبار لحدود التطبيق:
أعادت قضية صانع المحتوى حسان عقّاد النقاش حول تطبيق قانون الجريمة المعلوماتية.
فقد أوقِف في دمشق بتاريخ 17 حزيران/يونيو 2026 على خلفية شكوى تتعلق بتهم الذم والقدح والتشهير عبر الشبكة الإلكترونية، قبل أن يتم الإفراج عنه بتاريخ 21 حزيران/يونيو بعد سحب الشكوى المقدمة بحقه.
وبينما يبقى الفصل في الوقائع الفردية وتحديد المسؤوليات القانونية من اختصاص القضاء، فإن القضية أثارت نقاشاً أوسع حول الحدود الفاصلة بين الجرائم الإلكترونية وبين القضايا المرتبطة بالنشر والرأي والتعبير.
فالتحدي الحقيقي هو ضمان ألا تستخدم القوانين الرقمية لمعالجة الخلافات الفكرية أو النقاشات العامة خارج إطار التوازن القانوني المطلوب.
ليست كل منشورات الإنترنت جرائم:
تؤكد الرؤية الحقوقية ضرورة التمييز بين الجرائم التي تستهدف الأنظمة والبيانات والخصوصية، وبين التعبير عن الرأي.
فالاختراق الإلكتروني والابتزاز وسرقة المعلومات جرائم تستوجب مواجهة قانونية واضحة، أما النقد ومناقشة أداء المؤسسات والشخصيات العامة فهي جزء من الحياة المدنية التي يجب أن تحميها دولة القانون.
ويؤكد عبد الغني أن المطلوب هو وضع خط فاصل واضح بين حماية المجتمع من الضرر الرقمي وبين حماية حق الإنسان في التعبير والمشاركة.
فالدولة القوية ليست التي تمنع الاختلاف، بل التي تديره بالقانون.
التوقيف الاحتياطي… استثناء وليس قاعدة:
من النقاط الحساسة في هذا الملف مسألة التوقيف الاحتياطي في قضايا التعبير والنشر.
فالمعايير الحقوقية تؤكد أن سلب الحرية قبل صدور حكم قضائي يجب أن يبقى إجراءً استثنائياً، مرتبطاً بضرورة قانونية واضحة وتحت رقابة قضائية فعالة.
ويشدد فضل عبد الغني على ضرورة ضمان حقوق أي شخص يخضع للتحقيق، بما في ذلك معرفة أسباب التوقيف، والاتصال بمحامٍ وأسرته، والعرض السريع أمام القضاء.
فالعدالة لا تُقاس فقط بوجود القانون، بل بطريقة تطبيقه واحترام حقوق الإنسان.
المرحلة الانتقالية… فرصة لإصلاح قانوني جديد:
ترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن مراجعة قانون الجريمة المعلوماتية يجب أن تكون جزءاً من إصلاح أوسع للمنظومة القانونية خلال المرحلة الانتقالية.
فالهدف ليس إضعاف قدرة الدولة على مواجهة الجرائم الإلكترونية، بل بناء إطار قانوني حديث يحقق التوازن بين الأمن والحرية.
ويعتبر فضل عبد الغني أن مراجعة القانون وآليات تطبيقه خطوة ضرورية لتعزيز الثقة، شرط أن تتحول إلى إصلاحات واضحة تشمل تحديد النصوص، وتعزيز الرقابة القضائية، وحماية الحقوق الأساسية.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى قوانين حديثة لا تعيد إنتاج مخاوف الماضي، بل تؤسس لعلاقة مختلفة بين المواطن والمؤسسة.
هل يصبح القانون جسراً للثقة؟
يقف قانون الجريمة المعلوماتية في سوريا أمام اختبار يتجاوز حدود التشريع؛ إنه اختبار لطبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن في المرحلة المقبلة.
فالسوريون يحتاجون إلى دولة تحميهم من الجرائم الإلكترونية، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى فضاء يستطيعون فيه التعبير والنقد والمساءلة والمشاركة دون خوف.
وكما يلخص فضل عبد الغني جوهر القضية:
“سوريا تحتاج إلى قانون يحمي الناس من الجريمة، ويحمي في الوقت نفسه حقهم في التعبير والنقد والمشاركة في الشأن العام.”
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تنجح سوريا الجديدة في بناء نموذج قانوني يجعل الأمن والحرية شريكين في بناء الدولة، ويحوّل القانون إلى جسر للثقة بين المواطن والمؤسسة، أم أن ملف الحريات سيبقى الاختبار الأصعب في طريق المستقبل السوري؟