الدكتور طلال المصطفى لـ نينار برس: الاحتجاجات ليست انفجار غضب… بل امتحان حقيقي لقدرة الدولة على استعادة ثقة السوريين

0 85
بين وجع الضحايا وبناء المؤسسات… هل تنجح سوريا الجديدة في تحويل ذاكرة الحرب إلى مشروع دولة وقانون؟

في البلدان التي تخرج من الحروب، لا تنتهي المعركة بخروج السلاح من الشوارع، بل تبدأ معركة أخرى أكثر عمقاً: معركة العدالة، واستعادة الكرامة، وإعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة.

وفي سوريا اليوم، لا تبدو الاحتجاجات والاعتصامات التي ظهرت خلال المرحلة الانتقالية مجرد تحركات مرتبطة بمطالب محددة، بل تعكس حالة اجتماعية وسياسية أوسع يعيشها مجتمع يحمل ذاكرة ثقيلة من الخسارات، ويحاول الانتقال من سنوات الصراع إلى زمن المؤسسات والقانون.

خلف أصوات المحتجين توجد أسئلة تتجاوز اللحظة الراهنة: هل تستطيع الدولة الجديدة أن ترى جراح الناس؟ هل تتحول العدالة من وعد إلى تجربة يومية؟ وهل يمكن لمجتمع فقد الثقة طويلاً أن يعيد بناء علاقته بالمؤسسات؟

في هذا السياق، يرى أستاذ وباحث السوسيولوجيا السياسية الدكتور طلال المصطفى، في حديث خاص لـ “نينار برس”، أن الاحتجاجات الحالية ليست مجرد حالة غضب في الشارع، بل مؤشر على طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، وعلى حجم التحدي في بناء دولة تستند إلى الثقة لا الخوف.

الاحتجاجات… تعبير عن مجتمع يبحث عن الدولة:

يقول الدكتور طلال المصطفى:

“من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة هذه الاحتجاجات السورية الجديدة بوصفها ظاهرة مركبة، لا يمكن اختزالها في سبب واحد، فهي من جهة تعبّر عن مطالب مباشرة مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق ببطء الإجراءات القانونية، وغموض آليات المحاسبة، وتفاوت الوصول إلى الإنصاف بين المناطق والفئات المتضررة.”

لكن المصطفى يرى أن خلف هذه المطالب المباشرة سؤالاً أكبر يتعلق بمسار الانتقال نفسه:

“في العمق، تكشف هذه التحركات عن أزمة أوسع تتعلق بمرحلة الانتقال من منطق الثورة والحرب إلى منطق الدولة والمؤسسات.”

ويضيف:

“فالمجتمعات الخارجة من حرب مركبة وطويلة لا تنتقل تلقائياً إلى الدولة، بل تمر بمرحلة وسطية تتسم بعدم استقرار التوقعات، وتنازع الشرعيات، وصعوبة إعادة بناء الثقة.”

وبحسب رؤيته، فإن الشارع لا يعبر فقط عن اعتراض، بل يكشف عن محاولة مجتمع كامل لمعرفة مكانه داخل دولة جديدة لم تكتمل ملامحها بعد.

الانتظار الطويل… عندما يتحول الصمت إلى إحباط:

حول توقيت ظهور الاحتجاجات بعد فترة من الانتظار، يوضح الدكتور المصطفى أن الصمت لا يعني بالضرورة الرضا، بل قد يكون مرحلة تراكم داخلي.

ويقول:

“أما توقيت الاحتجاجات، فيمكن تفسيره بما يسميه علم الاجتماع السياسي بتراكم الإحباط المؤجل.”

ويشرح:

“فترات الانتظار الطويلة دون نتائج ملموسة في ملفات العدالة، تُنتج نقطة انفجار اجتماعي عندما تتراجع قدرة الأفراد على تفسير التأخير بوصفه مرحلياً أو ضرورياً.”

ويتابع:

“الصمت الأولي ولمدة عام ونصف لا يعني القبول، بل غالباً ما يكون تأجيلاً للاعتراض حتى لحظة فقدان الثقة بمسار العدالة نفسه.”

فالناس، وفق هذا التحليل، لا تنتظر الإجراءات فقط، بل تنتظر إشارات تؤكد أن الدولة الجديدة تسمع الألم وتتعامل مع الماضي بمسؤولية.

بين عدالة المؤسسات وذاكرة الضحايا… اختلاف في الزمن:

يرى الدكتور المصطفى أن أحد أصعب تحديات المرحلة الانتقالية هو الفجوة بين بطء المؤسسات وسرعة وجع الضحايا.

ويقول:

“يمكن فهم هذه الفجوة باعتبارها فجوة بين العدالة المعلنة الرسمية والعدالة كتوقع أخلاقي من قبل الضحايا.”

ويضيف:

“فالخطاب الرسمي غالباً ما يركز على المسارات القانونية والمؤسساتية طويلة الأمد، بينما يقيس الضحايا العدالة من خلال مؤشرات يومية ملموسة: الاعتراف، التعويض، المحاسبة السريعة، واستعادة الكرامة.”

ويشرح:

“الدولة تعمل بمنطق مؤسساتي بطيء وتراكمي، بينما يعيش الضحايا في زمن نفسي واجتماعي مضغوط يتطلب استجابة أسرع وأكثر رمزية.”

ويحذر:

“مع تراكم شعور التجاهل، تتآكل الثقة ليس فقط في مؤسسات العدالة الانتقالية، بل في الدولة نفسها.”

الاحتجاج السلمي… حق اجتماعي وخطر الانتقام:

لا يرى الدكتور طلال المصطفى أن الاحتجاج السلمي يمثل تهديداً للدولة، بل يعتبره جزءاً من عودة المجتمع إلى المجال العام.

ويقول:

“الحفاظ على الطابع المدني والسلمي للاحتجاج يتطلب أولاً الاعتراف به كجزء مشروع من الحياة السياسية، وليس كتهديد للأمن أو الاستقرار.”

لكنه يحذر من أن غياب العدالة قد يدفع الغضب إلى مسارات خطرة:

“فحين يُغلق المجال العام أمام التعبير السلمي، يُدفع الغضب نحو أشكال غير منظمة وأكثر خطورة.”

ويرى أن حماية المجتمع تحتاج إلى مسار عدالة واضح:

“منع التحول نحو منطق الانتقام يتطلب وجود مسار عدالة انتقالية واضح ومرئي وذو نتائج ملموسة.”

فالعدالة بالنسبة له ليست العقاب فقط:

“العدالة ليست فقط محاكمات، بل أيضاً اعتراف رسمي بالضحايا، وآليات تعويض مادية ومعنوية، وخطاب عام يرفض الثأر والانتقام ويؤسس لفكرة المسؤولية الفردية لا الجماعية.”

ويؤكد:

“الدولة مطالبة بفتح المجال العام وتنظيمه وضمان فعالية مسارات العدالة، والمجتمع المدني والنخب الاجتماعية مطالبة بتأطير الغضب ضمن خطاب حقوقي يحافظ على السلم الأهلي ويمنع إعادة إنتاج العنف.”

بناء الدولة يبدأ من إعادة بناء الثقة:

يرى الدكتور المصطفى أن مستقبل المرحلة الانتقالية لا يتوقف فقط على معالجة الماضي، بل على قدرة الدولة على بناء علاقة جديدة مع المواطن.

ويحدد ذلك عبر:

“مأسسة العدالة الانتقالية عبر هيئات مستقلة وشفافة قادرة على التحقيق والمساءلة بشكل فعّال، لا رمزي فقط.”

ويضيف:

“إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهذه لا تتحقق بالقانون وحده بل بالممارسة اليومية للإدارة العامة والعدالة المتساوية.”

كما يؤكد:

“توسيع المجال العام عبر ضمان حرية التعبير والتنظيم، لأن غياب المجال العام يدفع الاحتقان إلى العمل خارج المؤسسات.”

ويضع الاعتراف بالضحايا في قلب عملية الانتقال:

“الاعتراف الرمزي بالضحايا عنصر حاسم في المجتمعات الخارجة من حرب، لأنه يعيد إدماجهم في السردية الوطنية.”

العدالة الانتقالية… بداية عقد اجتماعي جديد:

في خلاصة رؤيته، يؤكد الدكتور طلال المصطفى أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقاس فقط بعدد المحاكمات، بل بقدرة الدولة على بناء سلام اجتماعي قائم على الاعتراف والثقة.

ويقول:

“نجاح المرحلة الانتقالية لا يمكن اختزاله في محاكمة المتورطين فقط، رغم أهميتها. فالمحاكمات وحدها لا تكفي لبناء سلام اجتماعي مستدام.”

ويضيف:

“المطلوب هو مقاربة شاملة تشمل العدالة، والمصالحة، وإعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.”

ويختصر رؤيته:

“العدالة الانتقالية ليست نهاية حرب فقط، بل بداية عقد اجتماعي جديد، يقوم على الاعتراف المتبادل وإعادة تأسيس الدولة كمجال مشترك لكل السوريين.”

ويبقى السؤال المفتوح أمام سوريا الجديدة:

هل تنجح الدولة في تحويل ذاكرة الألم وغضب الشارع وانتظار العدالة إلى قوة لبناء وطن يشعر فيه المواطن أن صوته أصبح جزءاً من مؤسسات الدولة، وأن العدالة ليست وعداً مؤجلاً… بل أساساً للحياة الجديدة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني