
مجلس الشعب الجديد: هل تستعيد سوريا تقاليدها البرلمانية المفقودة؟
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والانهيار المؤسسي، يستعد السوريون لاستقبال مجلس شعب جديد يُفترض أن يكون أحد أبرز معالم المرحلة الانتقالية. وللمرة الأولى منذ عقود، لا يُنظر إلى مجلس الشعب القادم بوصفه مجرد مؤسسة إدارية أو واجهة سياسية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الجديدة على بناء شرعية سياسية، وإشراك السوريين في رسم مستقبل بلادهم.
يأتي المجلس بتشكيلة جديدة، مع آلية انتخاب تجمع بين الاختيار المحلي والتعيين المركزي. وفي الظاهر، تبدو الفكرة محاولة لتحقيق توازن بين التمثيل الشعبي ومتطلبات المرحلة الانتقالية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل يكفي تغيير آلية التشكيل لإنتاج مؤسسة مختلفة بالفعل؟ وهل سينجح المجلس في تجاوز الصورة التقليدية التي ارتبطت طويلاً بالمجالس التشريعية في سوريا؟
المهام الملقاة على عاتق المجلس تتجاوز بكثير الدور التشريعي التقليدي. فهو سيجد نفسه أمام استحقاقات ترتبط بمستقبل الدولة السورية لعقود قادمة، وليس فقط بإدارة المرحلة الانتقالية الحالية. فعلى الصعيد الاقتصادي، سيكون مطالباً بإقرار قوانين تتعلق بالاستثمار وإعادة الإعمار إلى جانب مراقبة السياسات الحكومية الرامية إلى معالجة التضخم والبطالة وتحسين الخدمات التي تمس حياة السوريين اليومية.
وفي الملف الاجتماعي، تبرز قضايا عودة اللاجئين والنازحين، واستعادة الحقوق العقارية، وتسوية أوضاع المفقودين والمتضررين من الحرب. كما سيجد المجلس نفسه معنياً بمناقشة قانون أحزاب وقوانين تتعلق بالإدارة المحلية، وخلق بيئة قانونية تسمح بنشوء حياة سياسية أكثر حيوية وتنافسية.
لكن ربما تكون الملفات الأكثر تعقيداً هي تلك المرتبطة بموقع سوريا الإقليمي والدولي. فالدولة السورية تدخل مرحلة جديدة من العلاقات الخارجية تتطلب إعادة بناء الثقة مع العديد من الأطراف العربية والدولية، وتهيئة البيئة القانونية اللازمة لجذب الاستثمارات والمساعدات وإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي. وإذا طُرحت مستقبلاً اتفاقيات اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية طويلة الأمد، فإن المجلس سيكون أمام اختبار يتعلق بمدى مشاركته الفعلية في مناقشتها ومنحها الشرعية القانونية.
ويبرز ملف العلاقة مع إسرائيل كأحد أكثر الملفات حساسية. فالتحولات التي تشهدها المنطقة تضع أمام سوريا خيارات لم تكن مطروحة بهذا الشكل في السابق. فإن السؤال سيبقى مطروحاً حول الدور الذي سيلعبه المجلس في مناقشة قضايا مصيرية، وحول حدود تأثيره في القرارات التي قد تمس الأمن القومي ومستقبل الجولان.
ولعل ما يرفع سقف التوقعات تجاه المجلس القادم أن سوريا ليست بلداً بلا تجربة برلمانية. ففي خمسينيات القرن الماضي شهدت البلاد واحدة من أكثر التجارب السياسية نضوجاً في المنطقة العربية. آنذاك لعب البرلمان دوراً مؤثراً في الحياة العامة، وشهدت البلاد تنافساً حزبياً ونقاشات سياسية مفتوحة ومحاسبة للحكومات وحضوراً واضحاً للرأي العام في المجال السياسي. ما تزال حاضرة في الذاكرة السورية باعتبارها فترة امتلك فيها البرلمان وزناً سياسياً حقيقياً ولم يكن مجرد مؤسسة شكلية. ولذلك ينظر كثيرون إلى المجلس القادم كفرصة لاستعادة بعض تقاليد العمل البرلماني التي عرفتها سوريا في تلك الحقبة.
في المقابل، لا تبدو التحديات أقل حجماً من الطموحات. فالمجلس سيعمل في بيئة سياسية لم تستقر ملامحها بالكامل بعد، كما أن كثيراً من الوجوه الجديدة تفتقر إلى الخبرة البرلمانية. وإلى جانب ذلك، ما تزال هناك أسئلة تتعلق بمدى تمثيل مختلف المكونات والتيارات السياسية والاجتماعية داخل المجلس، وقدرته على التعبير عن التنوع الذي أفرزته سنوات الصراع.
السوريون الذين تابعوا على مدى عقود مجالس لم يكن لها تأثير ملموس في حياتهم اليومية، ينظرون اليوم إلى التجربة الجديدة بمزيج من الأمل والحذر. الأمل بأن تكون هذه المؤسسة جزءاً من تحول سياسي حقيقي، والحذر من أن تتحول التوقعات الكبيرة إلى خيبة جديدة. فاستعادة الثقة بين المواطن والدولة لا تتحقق عبر النصوص القانونية وحدها، بل من خلال مؤسسات قادرة على الاستماع والمساءلة والاستجابة لتطلعات الناس.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو متى سينعقد المجلس أو كم عدد أعضائه، بل ما إذا كان قادراً على استعادة ثقة المواطنين بالعمل السياسي نفسه. فنجاحه لن يقاس بعدد القوانين التي يقرها، بل بقدرته على إقناع السوريين بأن أصواتهم ومصالحهم أصبحت ممثلة فعلاً داخل مؤسسات الدولة. وحتى ذلك الحين، سيبقى مجلس الشعب القادم فرصة واختباراً في آن واحد: فرصة لبناء عقد سياسي جديد، واختباراً لقدرة سوريا على الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة المشاركة وصناعة المستقبل.