
عمالة الأطفال في مكبات النفايات: الأسباب والتداعيات الاجتماعية
يعد عمل الأطفال في جمع البلاستيك والنفايات ظاهرة قاسية تفرضها ظروف الفقر والنزوح حيث يضطر آلاف الأطفال للتنقيب في المكبات بحثاً عن المواد القابلة للتدوير لتأمين قوت يومهم، وهو ما يُعرّضهم لمخاطر صحية ونفسية جسيمة. كما تعتبر عمالة الأطفال انتهاكاً لحقوقهم الأساسية واستنزافاً لمستقبل المجتمعات المخاطر المباشرة على الأطفال.
تسرب هؤلاء الأطفال من التعليم وانخراطهم في بيئة عمل قاسية وعمالة غير مشروعة، فضلاً عن تعرضهم للاستغلال المادي. يتعرض الأطفال أثناء العمل في مكبات النفايات لأخطار متنوعة وأمراض خطيرة منها السارية ومنها المعدية نتيجة استنشاق الغازات والروائح الضارة ولمس المواد الكيميائية بأيد وأصابع امتلأت بالجروح، بالمقابل يقوم بعضهم بتناول بعض الأطعمة والحلويات التي قد يجدونها بين النفايات.
أسباب عمل الاطفال في مكب النفايات
يعمل محمد الحسين وأخوه بجمع المواد البلاستيكية والمواد القابلة لإعادة التدوير من مكبات النفايات والحاويات.
يقول محمد: نزحنا من منبج منذ عدة سنوات وبيتنا بالإيجار ووالدي عامل باليومية وأجره لا يغطي مصاريف المعيشة. ويضيف: أنه لم يلتحق بالمدرسة منذ ترك منبج لأن والده لا يستطيع تغطية مصاريفهم الدراسية والمعيشية معاً.
يعود عمل الأطفال في جمع البلاستيك من النفايات إلى عدد من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، منها:
– عجز الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمسكن.
– البطالة والنزوح: فقدان المعيل لمصدر رزقه أو العيش في بيوت تفتقر لكل مقومات السكن الصحي.
– ويعد فقد المعيل من أهم الأسباب والدوافع لتولي الطفل مسؤولية الإنفاق على الأسرة بسبب وفاة الأب أو مرضه.
– ارتفاع تكاليف التعليم من مستلزمات للتعليم (لباس، حقيبة، قرطاسية) ومصروف جعل الكثير من الأسر غير قادرة على دفع تكاليف التعليم، بالإضافة إلى بعد أماكن المدارس عن السكن ما يزيد من الأعباء المالية بدفع أجور مواصلات تثقل كاهل الأسرة.
– سنوات الحرب الطويلة أدت إلى غياب الوعي وضعف إدراك بعض المجتمعات وسلطات الأمر الواقع بخطورة عمالة الأطفال وأهمية التعليم.
– التفكك الأسري الناتج عن انفصال الأبوين أو وفاة أحدهما أو كليهما وبالتالي غياب الرعاية الأسرية التي تحمي الطفل من النزول إلى الشارع.
– تعد مناطق الحسينية والديابية والبحدلية وخربة الورد الواقعة في ريف دمشق من أكثر المناطق التي ينتشر فيها عمل الأطفال، وهذه المناطق استقبلت في سنوات الحرب الأخيرة أعداداً كبيرة من النازحين من مناطق تنظيم الدولة ومناطق قسد بسبب تدني إيجارات المنازل فيها كونها مناطق عشوائية تقصدها الأسر الفقيرة.
– توفر وسهولة العمل بجمع البلاستيك والمواد القابلة لإعادة التدوير، فهو لا يحتاج إلى رأس مال أو خبرة ومهارات خاصة، ما يجعله مقصد الكثير من الأطفال بالإضافة للطلب المتزايد على البلاستيك حيث يباع شكل يومي وسريع.
وزارة التعليم والقانون شركاء
على الحكومة ممثلة بوزارة التعليم استصدار قوانين تركز على إلزامية ومجانية التعليم وإلغاء أي رسوم مدرسية وتوفير المستلزمات مجاناً (كتب، حقائب، لباس وجبات غذائية). وإنشاء فصول دراسية مخصصة للأطفال المتسربين من النازحين من محافظات أخرى لمساعدتهم على تعويض ما فاتهم.
يجب تفعيل القوانين التي تمنع عمل الأطفال في المهن الخطيرة بشكل قطعي ومعاقبة المشغلين أو المخالفين لأن ضعف الرقابة القانونية هي من الأسباب الرئيسية لعمالة الأطفال.
تحدثت السيدة ليليان مغوش مسؤولة ملف المتسولين بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الطفل الذي يقبض عليه بعملية تسول أو ما شابه يوضع لمدة 6 أشهر في مراكز إيواء، حيث جهزت الوزارة مركزين لاستقبال هذه الحالات في باب مصلى والكسوة.
تضيف: حتى اللحظة لا تملك الوزارة خطة أو مشروع خاص بالأطفال الذين يعملون في مكبات النفايات.
انتشار ظاهرة عمالة الاطفال يدفع المجتمع لدق ناقوس الخطر والبدء بنشر حملات توعية تهدف إلى تثقيف المجتمعات المحلية بمخاطر عمالة الأطفال وأهمية الاستثمار في تعليمهم.
السياسات الدولية والمحلية لمواجهة عمالة الأطفال
تتطلب معالجة ظاهرة عمل الأطفال في جمع البلاستيك حلولاً متكاملة تشترك فيها الحكومة، والمنظمات الدولية، والمجتمعات المحلية، وعلى المنظمات المعنية بالطفل والأسرة تقديم معونات مادية دورية للأسر الأشد فقراً لمنعها من دفع أطفالها للعمل.
وعلى الحكومة والمنظمات التي تعنى بالمشاريع الخاصة توفير فرص عمل ومشاريع صغيرة لرب الأسرة تضمن دخلاً مستداماً. وبالتالي فإن تحسين الظروف المعيشية في المخيمات والمناطق العشوائية، ستحد بشكل كبير من انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في مكبات النفايات.
إن القضاء على هذه الظاهرة يتطلب تضافراً دولياً ومحلياً لحماية الطفولة، عبر توفير بيئة آمنة تضمن حقهم في التعليم، وتجريم الاستغلال لضمان بناء جيل سليم وقادر على قيادة المستقبل.
إن قضية عمالة الأطفال ليست مجرد مشكلة اقتصادية بحتة بل هي نزيف مستمر في طاقات الأمة ومستقبلها.
وحماية الأطفال من قسوة العمل والاستغلال ليست خياراً مجتمعياً، بل هي واجب أخلاقي وقانوني ملزم، إن بناء مجتمعات سليمة ومزدهرة يتطلب منا جميعاً (أفراداً، حكومات، ومنظمات) تضافر الجهود؛ لتوفير حياة كريمة للأطفال، وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة، فهم بناة الغد وعماد المستقبل.