انهيار الطبقة الوسطى، تفكك طبقة الأفق والمستقبل

0 11

إضاءة على السلسلة الفكرية

تندرج هذه المقالة في إطار سلسلة الدراسات الفكرية المعنونة بـ «استبداد الإنهاك: استنزاف الإنسان والمستقبل»، والتي تسعى إلى تفكيك تحولات السلطة في العصر الحديث، واستكشاف كيف انتقلت أدواتها من القمع المباشر والظاهر إلى السيطرة الممنهجة على الزمن، والطاقة البشرية، والقدرة على تخيل آفاق المستقبل.

المجتمعات لا تفقد مستقبلها دفعة واحدة… بل تفقد أولاً الطبقة التي كانت تملك الوقت الكافي لتخيله.

تاريخياً، لم تكن الطبقة الوسطى مجرد فئة ذات دخل متوسط، بل كانت طبقة الأفق، هي التي امتلكت هامش التخطيط، وقدرة الادخار، وفائض الطاقة اللازم للنظر إلى ما وراء الشهر القادم. ومن داخلها انبثقت الجامعات، والنقابات، والصحافة الحرة، والثقافة النقدية، والحركات الإصلاحية. كانت «المخزن الاستراتيجي» للمجتمع: حاملة الذاكرة الطويلة والخيال المشترك.

هي الطبقة التي منحت المجتمع إيقاعه المستقر: تعمل، وتدّخر، وتُعلّم أبناءها، وتشارك في الحياة العامة، وتؤمن – ولو جزئياً – أن المستقبل يمكن بناؤه، لا مجرد النجاة منه.

أما اليوم، فإن استبداد الإنهاك لا يفقر هذه الطبقة فحسب، بل يسحب منها وظيفتها التاريخية الأساسية: أن تكون الطبقة القادرة على الحلم، والتخطيط، وتخيّل مستقبل مختلف.

لم تعد الطبقة الوسطى متوسطة في الدخل فقط، بل أصبحت متوسطة في كل شيء: في الاستقرار، وفي الأمل، وفي القدرة على ترتيب حياة قابلة للاستمرار.

تحولت إلى طبقة مديونة ومرهقة، تحمل شهادات عليا لكنها تعيش بعقلية النجاة اليومية، وتعمل ضمن عقود هشّة، وتدفع أقساطاً تلتهم أي إمكانية للاستقرار الحقيقي.

الطبيب، والمعلم، والمهندس، والموظف الذي كان يخطط لحياة تمتد سنوات… أصبح يخطط لعبور الشهر فقط.

تآكل الخيال الاجتماعي

هنا يبدأ الخطر الحقيقي، فالناس لا يفقدون أحلامهم فقط، بل يفقدون تدريجياً قدرتهم على تصور أن الواقع يمكن أن يكون مختلفاً أصلاً، وهنا لا ينهار الخيال الفردي وحده، بل يتآكل ما يمكن تسميته بـ «الخيال الاجتماعي»: قدرة المجتمع على تخيل مستقبل مشترك يتجاوز مجرد إدارة الأزمات اليومية.

حين يتحول البقاء إلى معركة يومية، يصبح التضامن نفسه رفاهية نفسية لا يملكها المنهكون.

استبداد الإنهاك لا يقتل الناس فقط… بل يقطع المسافة بينهم.

يتراجع التضامن، وتبهت الثقة العامة، وينكمش المجال العام تدريجياً.

الناس موجودون جسدياً في المدن والشوارع، لكنهم ينسحبون شيئاً فشيئاً من الحياة المشتركة. حتى اللقاءات العائلية، والصداقات الطويلة، والأحاديث التي كانت تدور حول المستقبل، تصبح أقصر، وأكثر توتراً، وأقل قدرة على الحلم.

وحين يفقد المجتمع طبقته القادرة على التخطيط والحلم، لا تتغير أوضاعه الاقتصادية فقط… بل تتغير علاقته بالمستقبل نفسه. وحين يصبح المستقبل امتيازاً طبقياً، لا يعود المجتمع يعيش أزمة اقتصادية فحسب… بل يبدأ بالخروج من التاريخ.

لماذا يبدو هذا الانحدار خطيراً إلى هذا الحد؟

لأن الطبقة الوسطى لم تكن طبقة اقتصادية بحتة، بل البنية التي منحت المجتمع ذاكرة طويلة وأفقاً ممتداً في الوقت نفسه، هي التي حملت التعليم، والثقافة، والنقاش العام، والخيال الديمقراطي، وفكرة التقدم نفسها، وعندما تتآكل هذه الطبقة، لا ينهار الاقتصاد فقط، بل ينهار الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.

يتوقف الناس عن سؤال: «كيف نبني مجتمعاً أفضل؟» ويبدؤون بسؤال أكثر ضيقاً وقسوة: «كيف نمنع حياتنا من الانهيار هذا الشهر؟»

وهنا يحقق استبداد الإنهاك أحد انتصاراته الأعمق، ليس حين يجعل الناس أكثر فقراً فقط، بل حين يجعلهم أقل قدرة على تخيل أن الحياة يمكن أن تُعاش بطريقة مختلفة.

خاتمة

في عصر استبداد الإنهاك، لم يعد الخطر الأكبر هو الفقر المدقع، بل فقدان القدرة على تخيل أن الحياة يمكن أن تكون أكثر من مجرد نجاة متواصلة.

حين تتحول الطبقة الوسطى من طبقة تملك الأفق إلى طبقة تعيش داخل القلق اليومي، يفقد المجتمع شيئاً أعمق من الاستقرار الاقتصادي: يفقد خياله الجماعي نفسه.

والمجتمعات لا تنهار فقط حين تجوع، بل حين تتوقف عن تخيل مستقبل يستحق أن يُبنى، لأن أخطر ما يفعله استبداد الإنهاك ليس أنه يجعل الناس فقراء، بل أنه يجعلهم عاجزين عن تخيل أن الحياة يمكن أن تُعاش بطريقة أخرى.

وحين يصبح الإنسان عاجزاً عن تخيل حياة مختلفة، تكون السيطرة قد وصلت إلى أعمق نقطة فيها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني