التسعيرة الحكومية لعام 2026 لشراء القمح مجحفة ونتائجها خطيرة

0 16

1- حكومة لا يهمها مأساة الفلاح

القمح مادة أساسية، وهو غذاء السوريين، ولا يجوز المساس بها تحت أي مسمى.

التسعيرة الحكومية المعلنة لشراء القمح من الفلاحين لموسم 2026 تعتبر مجحفة بحق الفلاح السوري. فقد أعلنت الحكومة أنها سوف تدفع للفلاح 46 ألف ليرة سورية جديدة مقابل توريده طنًّا من القمح إلى صوامع الدولة. وبالدولار، تعادل هذه التسعيرة نحو 325 دولاراً أمريكياً تقريباً، وهي أقل من تكلفة الإنتاج لعام 2026 بالنسبة للقمح من الزراعة المروية. والإنتاج من الزراعة المروية كلياً أو جزئياً يشكل الكتلة الرئيسية من إنتاج سورية من القمح.

2- التسعيرة لا تغطي تكاليف الإنتاج

تعتبر تكلفة الإنتاج على الفلاح السوري مرتفعة جداً، وتصل إلى نحو 350 دولاراً للطن من الزراعة المروية، مقارنة بالمنتجين في الدول الكبرى المنتجة للقمح. عملياً، الفلاح السوري لا يتلقى أي دعم حقيقي من الحكومة، وخاصة منذ سقوط النظام البائد. فهو يتحمل كافة نفقات الإنتاج ومستلزماته. ولا نبالغ إذا قلنا إن تكلفة الإنتاج من الكهرباء والمازوت والبذار والسماد والعناية من الآفات والحراثة والسقي والحصاد والتذرية والتخزين والنقل، كلها يدفعها الفلاح من جيبه دون أي معونة فعلية. وحتى بعض مساعدات المازوت والبذار والسماد التي تقدمها الدولة تأتي عادة بأسعار عالية تماثل أسعار السوق السوداء.

يضاف إلى ذلك الظروف المناخية الصعبة لإنتاج القمح، ما عدا الأشهر الأخيرة من موسم 2026 حيث تحسن هطول الأمطار. أما الظروف السياسية فهي صعبة ومعروفة جيداً. وبالتالي، فإن هذه التسعيرة كما أعلنتها الحكومة هي بمثابة عملية سرقة مقوننة لجهد الفلاح خلال عام كامل، وكأنه عمل بالمجان. وهو أمر منطقي أن يرفضه الفلاح. وربما سيرفض توريد أو بيع أي كمية من إنتاجه إلى الدولة، بل ربما سوف يهربها إلى دول الجوار، كما جرى في بعض السنوات السابقة.

3- فهم الأسعار العالمية

أعتقد أن السعر العالمي للقمح يتراوح بين 450 و540 دولاراً أمريكياً للطن الواحد، بحسب نوعيته وتكاليف شحنه واستيراده. والمهم في الأسعار العالمية ليس السعر المحلي في أي دولة، وإنما سعر التصدير والاستيراد الذي قد تحتاجه دولة ما، وهو سعر أعلى من سعر السوق المحلية بنحو 25-30%.

أما ظروف إنتاج القمح الأمريكي فتعتبر مواءمة جداً، ما يقلل التكلفة كثيراً. كما أن أسعار القمح الأمريكي الطري عموماً لا تُقرّ بنهاية الموسم، بل في بداية الموسم قبل عدة شهور، إذ تعلن الحكومة عن سعر الشراء الذي سوف تلتزم به بنهاية الموسم لمن يريد بيع منتجه إلى الدولة. والحكومة تقدم دعماً سخياً جداً للفلاح من البذور والسماد والعناية والتمويل، بحيث لا يخسر الفلاح فعلاً بسبب الإنتاج.

كما أن السعر العالمي أغلبه يتحدث عن سعر القمح الطري، الذي يشكل إنتاج الدول الرئيسية المنتجة للقمح، بينما القمح السوري مصنف بأنه القمح القاسي، وهو الأعلى جودة بحسب المناخ الجغرافي لسورية ونوعية الأصناف المحلية. وكمثال، فإن أسعار القمح الأوكراني ليست معياراً دولياً بسبب العدوان الروسي عليها، لذا فإنها مضطرة لبيعه بأسعار التكلفة وحتى أدنى منها. أيضاً، فإن الأسعار العالمية تتقرر وفق تكلفة الإنتاج هناك، وفي الدول الرئيسية المنتجة مثل كندا وأستراليا وأمريكا وروسيا وأوكرانيا تكون التكلفة منخفضة بسبب الظروف المناخية الجيدة والأمطار المناسبة جداً للإنتاج.

4- الحكومة تبني مجدها على الفائض الزراعي (نظرية روستو للتنمية)

تبنّى حزب البعث ما يسمى بنظرية روستو، بتحويل الفائض الزراعي، وبكلمة أخرى تقوم على سرقة الفلاح، لضمان رفاهية المستهلكين وتمويل التصنيع. ولم تتراجع عنها حتى الحكومة الانتقالية، مع كل الكوارث التي صاحبتها، ويبدو أن الحكومة الانتقالية معجبة بها بدون وعي.

منذ الستينيات من القرن الماضي، تبنى حزب البعث نظرية التصنيع والرفاهية بتحويل الفائض الزراعي المفترض إلى المستهلكين، وخاصة سكان الحضر، أو التصنيع بناءً على رخص المواد الزراعية التي تشتريها الدولة من الفلاحين بأسعار بخسة. وما يتم من تسعير القمح بهذه الطريقة هو استمرار لسياسات الحكومات السورية بسرقة الفلاح قانونياً، وإجباره على الالتزام بما ترغب به الدولة فقط.

٥- زبدة الكلام (الخيار مر: إما بقاء القمح والفلاح أو ابتسامة وزير المالية)

ملاحظة: (وزير المالية هنا مجازية، والوزير الحالي د. يسر برنية رجل محترم، وليس له علاقة بالعنوان).

على الحكومة اختيار أحد أمرين: إما رفع سعر الشراء إلى 450 دولار أمريكي على الأقل لإنقاذ الفلاح، وإبقاء القمح السوري مصدر أمان للسوريين، أو أن تصر الحكومة كعادتها على سعرها المعلن وعدم رفعه. وهي هنا تغامر بفقدان الأمن الغذائي الوطني بسبب عزوف الفلاح عن التوريد الآن، وعزوفه عن الإنتاج لاحقاً.

والحكومة هنا تكون ربما قد كسبت ابتسامة وزير المالية عندما يصرح بأنه قد وفر على الخزينة مبلغاً وقدره… وهو لا يدرك أنها جُمعت من عرق الفلاحين.

فما هو خيار الحكومة الاستراتيجي: الفلاح والقمح أم ابتسامة وزير المالية مع خسارة الأمن الغذائي؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني