
تسييس المساعدات في سوريا: حين تتحول الإغاثة إلى أداة صراع
الإغاثة بين الواجب الإنساني وحسابات القوة:
في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد السوري، تكشف دراسة أعدّها فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كيف تحولت المساعدات الإنسانية من وسيلة لإنقاذ المدنيين إلى ساحة صراع سياسي وقانوني مفتوح. فبدل أن تؤدي الإغاثة دورها الطبيعي في حماية الإنسان، أصبحت – وفق الوقائع الموثقة – رهينة لتقاطع المصالح الدولية والتلاعب الداخلي، بما أفضى إلى تقويض أحد أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني.
الدراسة تتجاوز التوصيف التقليدي للأزمة، لتقدّم قراءة قانونية وسياسية تربط بين سياسات نظام الأسد في التحكم بالمساعدات داخل مناطق سيطرته، وبين الاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن، باعتبارهما مسارين متكاملين أسهما في إنتاج حرمان واسع النطاق طال ملايين السوريين المحتاجين للإغاثة.
الإغاثة واجب قانوني لا أداة تفاوض:
تؤكد الدراسة أن إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين ليس امتيازاً تمنحه الدول وفق مصالحها، بل التزام قانوني صريح تفرضه اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، التي توجب السماح بوصول الإغاثة بصورة سريعة ومحايدة ودون عوائق.
وفي هذا السياق، شكّل قرار مجلس الأمن رقم 2165 لعام 2014 نقطة تحوّل مركزية، بعدما أجاز إدخال المساعدات عبر الحدود دون موافقة الحكومة السورية، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار أن الكارثة الإنسانية في سوريا باتت تهدد السلم والأمن الدوليين.
حق النقض: حين يُستخدم القانون لتعطيل الحياة:
منذ أواخر عام 2019، أدى الاستخدام المتكرر لحق النقض إلى تقليص المعابر الإنسانية تدريجياً، عبر إغلاق معابر أساسية، وصولاً إلى انتهاء تفويض إدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى في تموز/يوليو 2023.
هذا التعطيل لم يكن مجرد خلاف سياسي داخل مجلس الأمن، بل خلّف نتائج مباشرة على حياة المدنيين، تمثلت في تراجع الإمدادات الغذائية والطبية، وتعطيل حملات التلقيح والاستجابة الصحية، خصوصاً في شمال غربي وشمال شرقي سوريا، حيث تعتمد ملايين الأسر على المساعدات العابرة للحدود بوصفها شريان البقاء الوحيد.
التلاعب بالمساعدات داخل مناطق النظام:
تكشف الدراسة عن نمط ممنهج من التحكم بعمليات الإغاثة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، شمل فرض قيود على المنظمات، والتدخل في اختيار المستفيدين، وتحويل جزء من المساعدات إلى شبكات مرتبطة بالسلطة.
هذا السلوك لا يمثل خرقاً إدارياً فحسب، بل يقوّض مبدأ الحياد الإنساني، ويحوّل المساعدات من حق للمدنيين إلى أداة نفوذ سياسي وأمني.
من الانتهاك إلى المساءلة الدولية:
تشير الدراسة إلى أن عرقلة المساعدات الإنسانية، عندما تكون متعمدة وواسعة النطاق، قد ترقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي. كما أن الاستخدام المتكرر لحق النقض بما يؤدي إلى تعطيل الإغاثة بصورة متوقعة، يطرح تساؤلات عميقة حول مسؤولية القوى الدولية عن إضعاف منظومة الحماية الجماعية داخل الأمم المتحدة.
وبذلك، لم تعد القضية مرتبطة بالخلافات السياسية وحدها، بل أصبحت جزءاً من نقاش قانوني وأخلاقي يتعلق بمستقبل العدالة الدولية نفسها.
من يحمي الإنسان حين تُعطَّل منظومة الحماية؟
تكشف هذه الدراسة أن المساعدات الإنسانية في سوريا لم تعد مجرد ملف إغاثي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لصدقية النظام الدولي وقدرته على حماية المدنيين في زمن النزاعات.
وبين سلطة تستخدم الحصار أداة سيطرة، ومجتمع دولي تعجز مؤسساته عن تجاوز التعطيل السياسي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً مفتوحاً أمام العالم:
كيف يمكن للإنسان أن يثق بمنظومة دولية تتحول فيها أدوات الحماية ذاتها إلى وسائل للحرمان والمعاناة؟