حلب من قاطرة الإنتاج إلى اقتصاد الريع، هل ستكرّر سيناريو بيروت؟

0 27

يُعلمنا التاريخ أن الحروب لا تدمر الحجر والبشر فحسب، بل تُفكك الهوية الاقتصادية للدول.

ما يشهده الواقع السوري اليوم، وتحديداً في القطب الصناعي العريق حلب يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل البلاد: هل نحن أمام تحول بنيوي يحول سوريا من دولة منتجة ومصدرة إلى مجتمع استهلاكي يعتمد على قطاع الخدمات والسياحة تماماً كما حدث في لبنان بعد الحرب الأهلية؟

التجربة اللبنانية: فخ الخدمات القاتل

قبل عام 1975، كان لبنان يمتلك قاعدة صناعية وزراعية صلبة، وكان مقصداً للعمالة الماهرة من الجوار، وخاصة السوريين الذين وجدوا فيه مدرسة للصناعات الخفيفة والتحويلية.

ومع اندلاع الحرب، هاجرت الرساميل والعقول، لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الحرب ذاتها، بل في (فلسفة الإعمار) التي تلتها.

اعتمد لبنان بعد الحرب نموذجاً اقتصادياً ريعياً ركز على:

– القطاع المصرفي والمالي.

– السياحة والمطاعم والخدمات الفارهة.

وأهمل القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة).

النتيجة كانت نمواً ظاهرياً هشاً، انتهى بانهيار تاريخي عندما توقفت التدفقات الخارجية، لأن الدولة فقدت قدرتها على (الإنتاج والاكتفاء) الذاتي.

حلب وسوريا: الهروب من المعامل إلى المقاهي

اليوم، تبدو المشاهد في سوريا، وحلب خصوصاً، وكأنها استنساخ لهذا المسار الخطير، حلب التي كانت تُعرف بـ (مانشستر الشرق) نظراً لثقلها الصناعي العالمي، تواجه اليوم تحديات تتجاوز آثار الدمار المادي:

1. هجرة العقول والرساميل الصناعية

الصناعي الحلبي الذي نقل معمله إلى مصر أو تركيا أو الخليج، لم يجد حتى الآن البيئة (المحفزة) للعودة، كما أن الاستقرار الأمني وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع استقرار في حوامل الطاقة (كهرباء وغاز) وتشريعات تحمي المُنتج المحلي من الاستيراد العشوائي.

2. التوجه نحو الاستثمارات الخدمية

يُلاحظ بوضوح أن معظم المزادات والاستثمارات التي تُعلن عنها الجهات الحكومية تتركز في قطاع المطاعم، المتنزهات، والمشاريع السياحية. ورغم أن السياحة قطاع حيوي، إلا أنها في حالة سوريا الحالية تُعتبر (ترفاً اقتصادياً) لا يمكنه بناء اقتصاد دولة صلب.

3. إهمال الهيكلة الصناعية

هناك آلاف المنشآت الصناعية المدمرة أو المتوقفة (العامة والخاصة). إن تركيز الجهود على تأجير الأراضي لإقامة مقاهٍ بدلاً من إعادة تأهيل خطوط الإنتاج يعني تحويل القوى العاملة من (عمال فنيين ومبتكرين) إلى (عمال خدمات) ما يؤدي إلى تآكل الخبرات الحرفية التي ميزت السوريين لعقود.

مخاطر (النموذج الاستهلاكي)

إن تحول المجتمع السوري إلى مجتمع يستهلك أكثر مما ينتج يحمل مخاطر كارثية:

1- نزيف العملة الصعبة: الاعتماد على الاستيراد لتغطية الحاجات الأساسية بدلاً من تصنيعها محلياً.

2- البطالة المقنّعة: قطاع الخدمات لا يستوعب الكفاءات الهندسية والتقنية بشكل مستدام.

3- الهشاشة أمام الأزمات: الاقتصاد القائم على السياحة والمطاعم هو أول من ينهار عند أي اضطراب سياسي أو أمني بسيط.

إن العبرة من الدرس اللبناني واضحة (المطاعم لا تبني وطناً) بل المصانع والورش هي التي تخلق القيمة المضافة الحقيقية.

وحماية الهوية السورية تبدأ من (إعادة الألق للمعمل)، وتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات التحويلية والنسيجية والغذائية التي اشتهرت بها حلب.

إذا لم يتم تدارك الأمر بخطة وطنية شاملة لإعادة هيكلة القطاع الصناعي وتقديم إعفاءات حقيقية للمنتجين، فإننا نغامر بتحويل عواصم الإنتاج إلى مجرد (صالات عرض) لبضائع غيرنا وهو ثمن باهظ لا تستطيع البلاد تحمله.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني