المرحلة الانتقالية في سوريا: بين النظرية والواقع

0 17

في علم السياسة، يُعد الفرق بين الوصول إلى السلطة وبين إدارة الدولة أمراً جوهرياً. الوصول خطوة أولى، أما بناء دولة مستقرة فيحتاج إلى رؤية واضحة وقواعد متفق عليها. ومن أهم هذه القواعد مفهوم المرحلة الانتقالية.

المرحلة الانتقالية فترة مؤقتة بعد انهيار النظام السابق، تهدف إلى إعادة بناء المؤسسات بطريقة تقلل الاستقطاب وتضمن مشاركة جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء تكون السلطة فيها محدودة زمنياً، وتعمل على تهيئة انتقال سلمي نحو نظام أكثر استقراراً وشمولاً يعتمد على التوافق الوطني الهدف ليس الاحتفاظ بالسلطة، بل تسليمها بشكل منظم إلى حكومة منتخبة تعكس إرادة الشعب. ومع ذلك، يطرح السؤال: هل سنة ونصف كافية لهذه المهمة الضخمة وسط تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة؟ تعمل السلطة الانتقالية على ما هو متاح ضمن عواصف الشرق الأوسط، من ضغوط إقليمية وتهديدات أمنية وصعوبات اقتصادية، وتسعى لخطوات عملية واقعية تحمي الانتقال وتفتح الطريق لمستقبل أكثر أماناً وعدلاً.

السؤال المطروح اليوم: هل سارت التجربة السورية وفق هذا المفهوم؟

يبدو أن الواقع على الأرض لم يساير التفاؤل الأولي. فقد مر عام ونصف على إعلان بدء المرحلة الانتقالية، وبدأت تظهر مؤشرات واضحة تعكس صعوبة المسار. من مظاهرات درعا، إلى التهجم على بعض السفارات، وصولاً إلى حالات الارتباك الإداري في بعض المرافق العامة، يبدو أن كثيراً من السوريين أصبحوا يشعرون أن ما كان يُفترض أن يكون مرحلة مؤقتة بدأ يتحول تدريجياً إلى واقع دائم. ومن اللافت أن النموذج الإداري الذي نجح في إدارة منطقة جغرافية محدودة تحت ظروف استثنائية، يجد صعوبة ملحوظة عند محاولة تطبيقه على دولة واسعة ومعقدة مثل سوريا بكل تنوعها وأبعادها.

ما أسباب هذا الإحساس بالصعوبة؟

هناك ثلاثة أسباب رئيسية أدت إلى ذلك: تجاهل الطبيعة المؤقتة للسلطة وبدء تصرفها كأنها دائمة، وضعف مشاركة الكفاءات والنخب السورية ذات الخبرة، والاعتماد على نمط إداري محدود لم يتطور مع حجم الدولة وتعقيدها. هذه العوامل مجتمعة خلقت شعوراً عاماً بالإرهاق والارتباك.

ومع ذلك، التجارب الدولية تُظهر أن المراحل الانتقالية يمكن أن تنجح عندما تُدار بروح التوافق والصبر. ففي تونس بعد ثورة 2011، نجحت الأطراف السياسية المتنافسة — بمساعدة فعالة من المجتمع المدني — في تشكيل حكومة انتقالية، ثم صياغة دستور توافقي عام 2014، وإجراء انتخابات حرة متتالية، رغم التوترات والأزمات الاقتصادية. كذلك في إسبانيا بعد وفاة الديكتاتور فرانكو عام 1975، اختارت النخب طريق الإصلاح التدريجي بدلاً من المواجهة الجذرية، مما أدى إلى إقرار دستور ديمقراطي عام 1978 وانتقال سلمي إلى نظام برلماني مستقر دون انزلاق إلى فوضى أو انقسام عميق.

الحلول في الحالة السورية لا تزال ممكنة وواضحة:

يجب على السلطة أن تؤكد بوضوح أنها سلطة انتقالية مؤقتة وليست دائمة، وأن توسع دائرة المشاركة لتشمل الخبراء وممثلي مختلف المكونات السورية، مع وضع جدول زمني واضح للانتقال السياسي يخضع لمراقبة شعبية شفافة، وأن تركز على الأولويات الحقيقية للمرحلة من خلال تهدئة الأوضاع، وضبط المصروفات، وتخفيف المعاناة الإنسانية.

في النهاية، سوريا لا تحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما تحتاج إلى دولة تُبنى بالتوافق والمؤسسات. إن عادت الأمور إلى مسار المرحلة الانتقالية الحقيقية، فإن الفرصة لا تزال قائمة لتجنب المزيد من الخسائر وتحقيق انتقال أكثر استقراراً. أما الاستمرار في تجاهل جوهر هذه المرحلة، فسيؤدي حتماً إلى تعميق التحديات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني