
بين إنتاج الحقيقة وإنتاج المعنى: اختلال الحقل الإعلامي في الحالة السورية
ليست أزمة الإعلام في الحالة السورية مجرد عطب مهني عابر يمكن ترقيعه ببعض الدورات التدريبية أو التذكير بمواثيق الشرف، بل هي في عمقها خلل بنيوي أصاب الحقل الإعلامي ذاته، فأفقده توازنه الدقيق بين وظيفتين لا تقوم إحداهما دون الأخرى: إنتاج الحقيقة، وإنتاج المعنى.
في الحالات الأكثر استقراراً، يبدو المشهد بسيطاً وواضحاً: صحفي ينشغل بالإجابة عن سؤال “ماذا حدث؟”، وكاتب رأي يغامر في سؤال “ماذا يعني ما حدث؟”. الأول يجمع الوقائع ويحرص على دقتها، والثاني ينسج منها دلالات ويقترح لها تأويلات. هذا التقسيم ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرطاً أساسياً لسلامة تشكل الرأي العام، وأثره في الوعي العام؛ إذ يضمن وجود أرضية مشتركة من الوقائع، حتى لو اختلفنا – وبشدّة في تفسيرها.
لكن في الحالة السورية، تآكل هذا التمايز بهدوء، ثم انهار بصخب. لا لأن الأفراد أخطأوا فحسب، بل لأن الحقل نفسه تشكّل تحت ضغط صراع مفتوح: حربٌ دموية، انقسام سياسي حاد، تصدّع اجتماعي عميق، وتداخل إقليمي ودولي كثيف. في مثل هذا المناخ، لم يعد الإعلام مجالاً قائماً بذاته، بل صار ببساطة ساحة أخرى من ساحات الصراع، مع فارق أنه يرتدي ربطة عنق الخبر، ويتحدث بلغة “التحليل”.
ضمن هذا التحول، تراجع الصحفي خطوة وربما أكثر عن موقعه الطبيعي كمنتج للحقيقة، ليتحوّل، في كثير من الأحيان، إلى جزء من آلة خطابية تعرف مسبقاً ما تريد قوله. لم يعد السؤال: ما الذي حدث فعلاً؟ بل: كيف نروي ما حدث بطريقة “مناسبة”؟ وهنا، وبهدوء مريب، يتقاعد التحقق، ويتقدّم الانحياز، وتتحول الوقائع من معطيات صلبة إلى مواد قابلة لإعادة التشكيل حسب الطلب.
أما كاتب الرأي، فلم يكن أوفر حظاً. فبدل أن يوسّع أفق الفهم، ويقدّم تأويلات مركّبة تضيء زوايا معتمة، انزلق في حالات كثيرة إلى دور أقرب إلى “محامٍ عن فكرة” أو “ناطق باسم جماعة”. لم يعد ينتج المعنى بقدر ما يعيد تدوير موقف. والفرق، ليس تفصيلياً: فالمعنى يحتاج مسافة، أما الموقف فيحتاج جمهوراً.
على نحوٍ متناقض، لم يؤدِّ هذا الانزياح المزدوج إلى توازن جديد، بل إلى كائن هجين: فاعل إعلامي واحد، ينتج “وقائع” مُؤدلجة، ويقدّم لها، في الوقت ذاته، تفسيرات مغلقة جاهزة للاستهلاك. وهنا، لا يجد المتلقي خبراً يمكن التحقق منه، ولا رأياً يمكن مناقشته، بل حزمة متكاملة من “الحقيقة الجاهزة” صالحة لكل زمان ومكان، ما دامت تخدم السردية.
وإذا كان جزء من هذا الخلل يمكن فهمه بوصفه أثراً مباشراً للصراع، فإن جزءاً آخر لا يقل أهمية يتمثل في ظاهرة “الهبوط الإعلامي بالمظلة”. فقد دخل إلى الحقل عدد غير قليل ممن عرفوا أنفسهم بوصفهم “ناشطي ثورة”، قادمين مباشرة من الفعل الاحتجاجي إلى منصة القول العام، دون المرور بأي مسار مهني أو معرفي يُذكر.
المشكلة هنا ليست أخلاقية فالثورات، بطبيعتها، تفتح الأبواب لكن الإشكال يبدأ حين تُستبدل المهنية بما يمكن تسميته “الشرعية النضالية”. أي حين يُفترض أن من عاش الحدث، يفهمه بالضرورة، وأن من شارك فيه، يمتلك تلقائياً أدوات تحليله. وربما يفهمه ويحلّله هو، والذي يليه، والذي يلي الذي يليه… وهنا، يحدث خلط دقيق وخطير بين “المعاناة” و“المعرفة”، وبين “القرب” و“الفهم”.
في الواقع، القرب من الحدث قد يكون على نحوٍ متناقض حاجزاً معرفياً، لا جسراً نحوه، لأنه يختزل المسافة النقدية الضرورية لأي تحليل جاد. والنتيجة؟ خطاب تُبحث فيه أبسط قواعد التحقق والتوثيق كما يُقال بالسراج والفتيل، وأحياناً دون جدوى.
ولا يقتصر الأمر على لحظة الدخول الأولى إلى الحقل، بل يمتد إلى ما بعدها؛ إذ إن بعض “إعلاميي المظلات” لم يلبثوا أن أعادوا تموضعهم سريعاً، منتقلين من صفة “ناشطي الثورة” إلى “إعلاميي العهد الجديد”. هناك، يُقدَّم الواقع الوليد بوصفه “الأكثر اكتمالاً وعافية”، وتُملأ الحوارات بفيض من الحماسة وأي كلامٍ مهما كان وكأن ملء الفراغ في ذاته أصبح حقيقة كافية لطمأنة السوريين، أو على الأقل لإيهامهم بذلك.
الأدهى من ذلك أن هذا النمط لا يكتفي بإنتاج محتوى ضعيف مهنياً، بل يعيد تعريف المهنية ذاتها. فبدل أن تكون شرطاً للعمل الإعلامي، تصبح في بعض الخطابات ترفاً، أو حتى شبهة، قد تصل إلى حد الخيانة. ويتحول الانحياز إلى فضيلة، والذاتية إلى صدق، والتدقيق إلى نوع من “البرود غير الأخلاقي”. وهكذا، ينقلب الميزان: ما كان يُعد خللاً يصبح معياراً.
ولا يمكن، في هذا المشهد، تجاهل الدور الحيوي والمربك لوسائل التواصل الاجتماعي. هذه المنصات، التي بشّرت بكسر الاحتكار الإعلامي، لم تبنِ بديلاً منضبطاً بقدر ما فتحت الأبواب على مصاريعها لكل أشكال الضجيج. فمعاييرها لا تعترف بالدقة أو العمق، بل تكافئ السرعة، وتحتفي بالإثارة، وتُكافئ بلا خجل المحتوى الأكثر صخباً، والأكثر انحيازاً.
في هذا الفضاء، يمكن لأي شخص أن يكون ناقل خبر، وصانع رأي، ومحللاً استراتيجياً بآن كل ذلك في منشور واحد، وربما خلال خمس دقائق. النتيجة ليست ديمقراطية في إنتاج المعرفة، بل فوضى في تعريفها. تتكاثر الأصوات، يتراجع المعنى، ويعلو بثقة صوت “الهيصة”.
وعندما يتقاطع هذا كله مع البنية الطائفية، تصبح الصورة أكثر قتامة. فالطائفية لا تحتاج جهداً كبيراً لتعمل؛ يكفيها بعض الوقائع المنتقاة، وقليل من التفسير الجاهز، وجرعة جيدة من اليقين. وهنا، يقوم الإعلام بنسخته المشوّهة بخدمة هذا النظام التفسيري دون أن يشعر، أو ربما وهو يشعر تماماً.
تتشكل حلقة مغلقة: وقائع مختارة بعناية، تفسير يؤكدها، قناعة تتصلّب، ثم إعادة إنتاج للوقائع نفسها. والنتيجة ما يمكن تسميته، دون مبالغة، بـ “تطييف الحقيقة”. لم نعد نختلف فقط في تفسير الواقع، بل في وجوده ذاته. لكل جماعة واقعها، ولكل منها خبراؤها، وإعلامها، وحقيقتها الخاصة.
وهنا، لا يعود النقاش ممكناً، لأن شرطه الأول الواقع المشترك لم يعد موجوداً. ننتقل من اختلاف حاد، لكنه قابل للنقاش، إلى انفصال إدراكي كامل، لا يلتقي عنده أحد مع أحد، إلا عرضاً، أو مصادفة.
إن إعادة بناء الحقل الإعلامي في الحالة السورية لا يمكن أن تتم عبر دعوات عامة إلى “تحسين المهنية”، بل تتطلب استعادة التمايز الأساسي بين إنتاج الحقيقة وإنتاج المعنى. تتطلب إعادة الاعتبار لفكرة أن الحقيقة ليست وجهة نظر، وأن المعنى ليس بياناً سياسياً.
التحدي، في جوهره، ليس في نقد الأفراد، بل في إعادة بناء القواعد: قواعد تجعل من التحقق شرطاً لا خياراً، وضرورة لا ترفاً، ومن التحليل المنهجي جهداً مفتوحاً لا تكراراً لموقف. دون ذلك، سيبقى الضجيج أعلى من الحقيقة، وستبقى “الهيصة” أكثر إقناعاً من أي معنى.