إن مصطلح ومفهوم (مجلس الشعب) قد أصبح من عموميات وبدهيات الشعوب، وذلك لأنه من أوليات أسس ومرتكزات الدُّوَل، وهو من شروط وضروريات قيام الدول ونجاحها واستمرارها.
وبخصوص مجالس الشعوب، فإن من المفروغ منه ولا شكّ فيه، ولا جدال حوله، ولا يتحمّل التنظير بهدف التعليل والتسويغ، وليس هناك وجه أو مجال للاستثناء أو الالتفاف حوله؛ لا شكّ أبداً بأن مجالس الشعوب، حتى تكون مجالس حقيقيةً وقانونيةً ومشرعنةً ومغطّاةً دستورياً، ويكون لها سلطتها وأحقيتها وهيبتها وحصانتها، إنه حتى تكون المجالس كذلك، فإنه يجب أن يتمّ تشكيلها واختيار وتحديد أعضائها بطريقة الانتخاب والاقتراع الشعبي، وبحيث تجري انتخابات ديمقراطية شعبية بطريقة علمية ونزيهة وشفافة، ويدعم هذه العملية تشكيل أحزاب وطنية، ويجب نشر الثقافة الديمقراطية والوعي السياسي.
هذه هي الطريقة الوحيدة والأساسية والمتعارف والمتّفق عليها لتأسيس مجالس الشعوب في جميع أشكال وأطوار الدول.
والآن نعود إلى سورية، وإن ما يهمنا ونقصده هو سورية الجديدة، فهل أصبح لدينا مجلس شعب؟
قفزاً فوق كل فرضٍ وطرحٍ وجدال، فإننا سنفترض ونعتبر أن ظروف ومعطيات وحيثيات سورية الجديدة هي مختلفة واستثنائية إلى درجة تبرير الاستثناء وتفهّم المخالفة.
وسوف نعتبر أن ما قد تمّ الإعلان عنه وتسميته بمجلس الشعب هو في الواقع بوصف: (قائم مقام مجلس الشعب الحقيقي، وقائم بدوره، وله ما للمجالس من حقوق وعليه ما عليها من واجبات).
ولذلك، فمن حق الشعب ومن واجبه أيضاً أن يسأل:
1- ماذا فعل وأنجز مجلس الشعب حتى الآن وبعد شهورٍ من تشكيله؟ وماذا كان يجب أن يفعل؟
2- ما الذي يفعله هذا المجلس اليوم؟ وما هو نشاطه وما هو برنامجه وخطة عمله؟ وما يجب عليه أن يزاول من أعمال؟
سوف نترك الجواب على هذين السؤالين لمن يعنيه الأمر ويقع عليه واجب الإجابة.
ولكن الشعب السوري بنُخبه ومتابعيه يتمسّك ويصرّ على توجيه السؤال الثالث ويعتبره سؤالاً أساسياً وضرورياً، ووطنياً وبنّاءً، وإن الشعب يصمّم على المتابعة حتى يسمع الإجابة عليه.
3- ماذا سوف يفعل المجلس في الفترة القادمة؟ وما هو المطلوب منه؟ وما هي الأعمال التي يجب أن يقوم بها وينجزها؟ وهل أن هذا المجلس ببنيته وبنظام عمله وبمؤهلات أعضائه قادرٌ وسوف ينجح في تنفيذ مهامه وإنجازها؟
لا شكّ أنه سؤالٌ عريض وبعيد المدى، وبما أن سورية الجديدة هي في حالة نقاهة ويجب أن تكون تحت العناية المركزة، وأن شعبها متعب وجريح وينتظر النجدة والإسعاف والرعاية، فلا شكّ أن هذه الحالة لم تعد تتحمّل التسويف والإرجاء والسبر ومزيداً من التجارب لإعطاء الجواب، أو الانتظار لرؤية النتائج!!
ولذلك فإن الشعب، وتعاوناً منه، ومن أجل موازاة قائمة الانتقاد بقائمة الاقتراحات بالحلول، فإنه يرفع إلى (القائم مقام مجلس الشعب) قائمة من المطالب تتضمن المسائل المطلوب من المجلس نقاشها والتعاطي معها وصنع القرار بشأنها.
بداية يجب على مجلس الشعب في سورية الجديدة أن يدرك خصوصية حالته ويعي صعوبة وتعقيد إحداثياته، مما يفرض عليه منطلقات صارخة دافعة، فيجب عليه:
1- أن يعوّض الجمود والتقصير الذي ظهر منه، حيث خلال فترة كان مأمولاً منه الحماس والمبادرة بينما المجلس ظلّ راكداً.
2- يجب على المجلس أن يضاعف جهوده وأن يعمل بطرق نوعية منجزة.
3- يجب أن يتعامل مع المسائل المطلوب إنجازها بشكل متوازٍ، وأن ينجزها جميعاً، فلا يجوز إرجاء أو تأجيل وتدوير مسألةٍ مدةً طويلة حتى ينتهي من نقاش غيرها.
4- يجب أن يدرك المجلس أنه بجميع أعضائه لا يمتلك ما يكفي من كفاءات (وحتى لو كان هذا أمراً عادياً)، فيجب على المجلس تدارك هذا الواقع بالتعاون مع مجموعات استشارية ومهنية لها كفاءاتها المطلوبة، وتكليف مجموعات ولجان وفرقاء لإنجاز أعمالٍ ومهمات محددة.
5- وسوف نضيف هذا البند إلى المنطلقات الأساسية وغير القابلة للنقاش، وهو:
العمل العاجل على تشكيل حكومة وفق المعايير (الوطنية الثورية)، فتكون تكنوقراط — اشتراط الكفاءات والخبرات — ثم الانتماء الوطني الثوري، واستبعاد (الشبيحة وفلول النظام وأتباع الأجندات المعادية والثورة المضادة)، والابتعاد الكليّ عن الشللية أو المناطقية أو العشائرية أو الطائفية، مع تغطية كافة المكونات بشكل عقلاني متوازن مثمر.
والآن وبعد كلّ ذلك: ماذا يجب على مجلس الشعب أن يقوم به؟ وما هي أهمّ المسائل والقضايا التي يجب التعاطي معها؟
أولاً: صياغة وإقرار دستور جديد لسورية الجديدة، يكون دستوراً وطنياً ينطلق من المعطيات المستجدة، وفحواه العدل والمنطق وهدفه المصلحة الوطنية العليا. وهنا أكرّر اقتراحاً سبق ونشرته عدة مرات وقلت: يقوم المجلس بانتخاب حوالي خمسين عضواً لكي يكونوا نواة العمل، ثم يقوم المجلس بتحديد عددٍ من الأكاديميين المطلوب كفاءتهم وخبراتهم، ولنفرض ثلاثين شخصاً مثلاً، ثم يتم دمج الأعضاء الخمسين الذين تم انتخابهم مع هؤلاء الثلاثين لكي يشكّلوا بمجموعهم (لجنة صياغة الدستور)، وتبدأ اللجنة العمل لإنجاز مهمتها خلال فترة محددة.
وخلال أعمال الصياغة يتم التحاور مع المجلس، وعند الانتهاء يتم عرض الدستور على المجلس لدراسته ونقاشه، ثم ليتم إقراره بشرط موافقة 70% من مجموع أعضاء المجلس.
ثم يستوجب الأمر إجراء استفتاءٍ شعبيٍّ لإقرار الدستور قانونياً، ولكن يمكن مراعاة ظروف البلاد فيتم تفعيل الدستور مرحلياً، وتأجيل الاستفتاء مع تحديد مدة مناسبة لإجرائه.
ثانياً: البدء فوراً بتناول مسألة ميزانية الدولة وفتح ملفها، ومناقشة جميع بنودها، وتدقيق أوراقها وأرقامها بطرقٍ علمية ومهنية، ويمكن الاستعانة بذوي الكفاءات والخبرات اللازمة من خارج المجلس، خاصة وأن موضوعاً أساسياً وحيوياً كالموازنة، وبعد التأخر عن متابعته والنظر فيه، فقد أصبح من الضروري والمستعجل مناقشته وبتّ القرار فيه.
ثالثاً: متابعة ومراقبة مصادر الدخل القومي أو العام وموارد الخزانة العامة، والإحاطة التامة بها وبحركتها حتى يتم رصدها في الخزانة العامة، وكذلك متابعة برامج الإنفاق الحكومي ومعرفة تفاصيله.
رابعاً: ضرورة طرح موضوع الاستثمار بكافة جوانبه وحالاته، ومناقشة بنوده وتفاصيله والإحاطة بحيثياته ومتطلباته، والعمل على إصدار القوانين المساعدة والمشجعة، خاصة وأن الاستثمار من أقوى قوائم سورية الجديدة.
خامساً: دراسة واقع القطاع العام وأملاك الدولة والنظر في مسألة الخصخصة وصناعة القرار الأفضل لتحقيق أكبر قدر من المصلحة العامة.
سادساً: الاهتمام العملي الجاد بمسألة إعادة الإعمار والحضّ على القيام بمشاريع الإسكان ودعم المواطنين وتوجيههم للقيام بمشاريع عامة أو خاصة، وكذلك إعادة تأسيس البنية التحتية وعمل ما يلزم لإعادة المهجّرين بشكل كريم.
سابعاً: الانتباه بوعي تام وبمسؤولية إلى قضايا الجنسية السورية وما يتعلّق بها، وما يترتب على منحها والقيام بحجبها وإلغائها حيث يجب ذلك.
ثامناً: النظر في قضية الأملاك والعقارات العامة والخاصة التي تم اغتصابها واستغلالها أو شراؤها غبناً بأساليب وضغوط مختلفة، وإعادتها لمستحقيها بطرق منطقية وعادلة مدروسة.
تاسعاً: متابعة قضايا الفساد بكافة أشكاله وأساليبه، ومراقبة السلوك والأداء الحكومي والإداري، والعمل بشكل جاد وحازم لمنع الفساد.
عاشراً: إثارة قضايا أملاك وحقوق الدولة السورية والشعب السوري التي تم نهبها وسرقتها واختلاسها واغتصابها من جانب النظام المخلوع بكافة مستويات وشرائح وتشعبات عصاباته وحاضنتها، وملاحقة اللصوص من زعيمهم (رئيس النظام) إلى قادتهم إلى كوادرهم ومتنفذيهم إلى رعاعهم وخدمهم، والتحقيق بشأن أملاكهم غير المشروعة والعمل الجاد على استعادتها كاملةً للدولة وتوظيفها لصالح أبنائها.
حادي عشر: إعادة النظر كلياً في شؤون الأقليويين الانفصاليين وما توسعوا عليه عدواناً واكتسبوه زوراً وخيانة وبغير حق، وإعادة توازن الحقوق وفقاً للدستور السوري المعمول به في حينها وطبقاً للقوانين الدولية.
ثاني عشر: يعلم الجميع أن من أبرز وظائف ومهام مجلس الشعب هو إقرار ومصادقة الاتفاقيات والمعاهدات لإكسابها الشرعية والقانونية، ويعلم الجميع أن هذه الوظيفة لها أخطار جسيمة، وقد تكون مصيرية أو تاريخية.
ولكن، وتذرعاً منطقياً ومبرراً بالأوضاع الاستثنائية وحالة الحرب والطوارئ التي لا تزال سورية الجديدة تعايشها، فإن مجلس الشعب بإمكانه بل ربما يجب عليه أن يناور فيصرح بما يلي: إن مجلس الشعب بآلية تشكيله الاضطرارية فإنه غير مفوض وليس مؤهلاً لكي يقر ويصادق أو يشرعن اتفاقيات والتزامات من المستوى السيادي والمحتمل للنزاع، لذلك فإن القرار الممكن هو تأجيل الاتفاقيات حتى تكتمل الشروط اللازمة والكافية لإكسابها الشرعية وقابلية التفعيل.
وبعد عرض هذه المهام الجسيمة المناطة بالمجلس والمطلوب منه التعامل معها وإنجازها فإننا نختم الحديث بتوصية تقول: يجب تشكيل فرقٍ ولجانٍ قد تكون من أعضاء المجلس، أو يمكن إشراكها بكوادر وكفاءات من خارجه، ويمكن تكليف هذه اللجان بما يلي:
1- وحدة الاستعلام: ومهمتها سماع صوت الشارع ومتابعة وسائل الإعلام ومواقع التواصل، كما أنها تحدد نقاطاً وأرقاماً لتلقي الشكايات والملاحظات حول قرارات الحكومة وأدائها وحول مسلكيات الجهاز الإداري، ثم رفع خلاصة المعلومات على شكل تقرير يومي.
2- وحدة المتابعة: ومهمتها تلقي تقرير وحدة الاستعلام لكي تقوم بالتقصي والتحقق، وقد تقوم بالتواصل الفيزيائي والحوار والاستفهام، ثم ترفع الشكاوى أو الملاحظات المدققة إلى المفصل الأعلى أو الجهات المعنية.
3- وحدة وفادة أو مبعوثية: وهي فريق يتم تكليفه للحوار، أو لطرح مقترحات، أو الاستفهام حول مسألة أو مشروع.