المعارك الكلامية والشجار اللفظي

0

ما الفرق بين المعارك الكلامية من جهة والشجارات اللفظية القولية من جهة أخرى؟جاء حين من الدهر كانت الصحيفة والمجلة والكتاب المكان الوحيد لخوض المعارك الفكرية، بل إن صديقنا الراحل محمود أمين العالم أصدر كتاباً بعنوان معارك فكرية عام 1965 وهو كتاب سجالي حول قضايا فكرية وسياسية وفلسفية. وكلنا يعرف المعارك الفكرية التي دارت رحاها حول كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي. ولكننا نعيش هذه الأيام ثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي وفرت لكل من يجيد القراءة والكتابة وإن لم يكن من أهل الأدب والفكر والفلسفة أن يكتب ما شاء من آراء. لكن ومع الأسف نشهد ظاهرة الشجار أو ما أسميه الشجار اللفظي، والشجار اللفظي الذي تمتلئ به وسائل التوصل الاجتماعي يخلق حالة من غياب الاحترام بين الناس من جهة، وجمهوراً من المتطفلين على حرفة الكتابة، من جهة أخرى.

أجل هناك فرق كبير بين المعارك الكلامية والشجارات اللفظية، فالمعارك الكلامية هي معارك فكرية، لأن العرب قد قالت بأن الكلام هو المفيد، ولهذا كل كلام قول وليس كل قول كلام، فالأكاذيب أقوال وليست كلاماً. فالقول يمكن أن يكون صادقًاً ويمكن أن يكون كاذباً. والحروب اللفظية المنتشرة على وسائل التواصل حروب أقوال لا تنطوي على الجمل المفيدة، أقوال مادتها ألفاظ السب والأخبار الكاذبة.

الشجارات اللفظية ثمرة العداء الأيديولوجي -المصلحي المطلق. والشجارات اللفظية معارك لا قيمة معرفية لها وأسوأ من يخوضها بعض من ينتمون في الظاهر إلى المثقفين. في المعارك اللفظية يُشتم كاتب النص ولا يُنقد النص، لأن نقد النص ينتمي إلى الكلام. وعندما يُشتم الكاتب فهذا يعني هروب من نقد النص، وهذا الهروب دلالة على العجز عن القراءة والتأويل.

فالنقد ينطوي على الأخلاق المعرفية التي لا تنفصل عن حب الحقيقة، وعندها يكون الاختلاف في حقل الحقيقة غيرة على الحقيقة، ولأن هناك وجوه للحقيقة وبخاصة في الظواهر الإنسانية فمن الطبيعي أن يقود الحوار إلى الكشف عن عدة وجوه من وجوهها.

أجل في المعارك اللفظية تستعر خطابات الذم والمدح ومفاهيم المديح والهجاء والثناء والذم وأحكامها شائعة في الحياة اليومية للتعبير عن علاقتنا بالأشياء والأفراد الأصدقاء والأعداء، ولا قيمة معرفية لها في النظر إلى الفلسفة والفلاسفة والشعر، والشعراء، والأدب، والأدباء. فالنقد والاختلاف والتأثر والانزياح والقراءة والتأويل هي المفاهيم الصالح لإقامة العلاقة مع الفلسفة والشعر وصنوف الأدب الأخرى عبر الحوار.

والحوار لمن لا يعلم يتطلب الحجة، والشتيمة في الحوار ليست حجة، فالحوار، اختلافاً، حوار حجاجي والحجاج يستند إلى البرهان والأدلة الموثوقة.

ولا يمكن الوصول إلى اعتراف متبادل بين المحاجين إلا بالحفاظ على الاعتراف بقوة المنطق البرهاني وقوة الأدلة العقلية والواقعية.

فالاختلاف حول الوقائع التاريخية مثلاً، والتي جرت قبل قرون من الزمن تحتاج إلى محاججة عقلية من جهة ووثائقية من جهة ثانية، بل إن الوثيقة نفسها تحتاج إلى دليل على صحتها. فأنت لا تسطيع أن تنكر أو تؤكد حدوث واقعة تمت إلى الماضي عبر نوع من الشجار القولي.

كما إن التعصب لا يقود إلى معارك فكرية، بل إلى شجار، وحسبنا الإشارة إلى التعصب الذي يجري الآن في بعض برامج موضوعها قضايا خلافية.

كما نشهد نوعاً من تقويم النصوص الإبداعية من قبل القراء في وسائل التواصل مليئة بالأقوال غير اللائقة بحق الكاتب والمكتوب.

وهذا يعني بأن كثيراً من المشتغلين بتناول الإبداع مازالوا يحتفظون بذهنية إعطاء علامات وهذا نوع من اللغو في الحياة اليومية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني