من خطوط النار إلى خرائط التنمية

0

يقف المشهد السوري اليوم عند مفترق يصعب الجزم بوجهته النهائية. فبعد أكثر من عقد من الصراع، لم تعد البلاد تعيش حالة الحرب الشاملة، لكنها لم تدخل بعد في سلام واضح المعالم. ما يتشكّل هو منطقة رمادية بين المواجهة المفتوحة والاستقرار المنشود، حيث تتقاطع مسارات سياسية وأمنية واقتصادية، بعضها يحمل فرصاً حقيقية، وبعضها الآخر لا يخلو من المخاطر.

هذا التحوّل لم يكن نتيجة تسوية شاملة أو اتفاق تاريخي، بل حصيلة إنهاك طويل، داخلي وخارجي، جعل كلفة استمرار الصراع أعلى من كلفة إدارة التفاهمات المؤقتة. لذلك، يبدو الانتقال الجاري أقرب إلى إدارة ما بعد الحرب منه إلى إنهائها فعلياً.

أمنياً، تبرز أحاديث متزايدة عن تفاهمات غير معلنة، أو شبه معلنة، لتخفيف التوتر، خصوصاً في الجنوب. الحديث عن مسار تفاوضي بين سوريا وإسرائيل، برعاية دولية، يعكس إدراكاً متبادلاً بأن التصعيد المستمر لم يعد يخدم أحداً. ومع ذلك، تبقى هذه التفاهمات هشّة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني، في ظل تاريخ طويل من انعدام الثقة.

في الشمال الشرقي، جاءت التحوّلات أكثر فجائية. تراجع الدور الأمريكي غيّر موازين القوى سريعاً، وفرض واقعاً جديداً على قوات سوريا الديمقراطية، التي فقدت قدرتها على الاستمرار في إدارة منطقة واسعة دون غطاء امريكي. عودة الدولة إلى حقول النفط والغاز في الجزيرة السورية تفتح باباً اقتصادياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة صعبة حول كيفية إدارة هذه الموارد، ومن سيستفيد منها فعلياً في ظل أزمة معيشية خانقة.

أما في السويداء، فالصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه من الخارج. صحيح أن خطاب الانفصال تراجع، لكن ذلك لا يعني توافقاً كاملاً مع المركز. ما يطفو على السطح هو بحث عن صيغة توازن: لامركزية أوسع، إدارة محلية أقوى، دون الذهاب إلى قطيعة سياسية. الرهان هنا ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي أيضاً، إذ يدرك كثيرون أن فرص العمل والتنمية قد تكون أكثر إقناعاً من أي خطاب احتجاجي طويل الأمد.

إقليمياً، يسود مزاج براغماتي واضح. انفتاح عربي و تركي ، ودور أمريكي وأوربي  يركّز على التهدئة ومنع الفوضى. هذا المناخ يمكن ان يساعد على بناء  السلام ، و يخفف من احتمالات الانفجار.

سياسياً، يبقى السؤال الأهم معلّقاً.

هل يمكن للاستقرار أن يستمر دون إصلاح حقيقي؟ التجربة السورية، كما غيرها، تشير إلى أن الأمن وحده لا يكفي. برلمان فعّال، قانون أحزاب حديث، ومشاركة أوسع في صنع القرار ليست ترفاً، بل شرطاً لأي استقرار طويل الأمد. وفي بلد متنوع مثل سوريا، تبقى الشراكة الفعلية بين المكونات ضمانة أساسية لتجنّب إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.

في المحصلة، ما يجري اليوم لا يمكن وصفه ببداية جديدة كاملة، ولا يمكن اختزاله بهدنة عابرة. هو مسار مفتوح على الاحتمالات. نجاحه مرهون بقدرته على تحويل التفاهمات الأمنية إلى تحسين ملموس في حياة الناس، وتحويل الخطاب السياسي إلى سياسات يشعر المواطن بأنها تعنيه فعلاً. دون ذلك، قد تبقى “الفرصة النادرة” مجرد عنوان جميل لمرحلة انتقالية طويلة ومقلقة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني