
بين تدمر وإدلب: هجمات داعش المزدوجة تقرع ناقوس الخطر الجيوسياسي
تصاعد الهجمات في سوريا.. داعش يضرب تدمر ويتبنى استهداف معرة النعمان
شهدت سوريا خلال الأيام القليلة الماضية تصعيداً في النشاط الإرهابي، حيث استهدف تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) مواقع وقوات أمنية في منطقتين متباعدتين هما تدمر وسط البلاد ومعرة النعمان شمال غربها، مما يسلّط الضوء على التحديات الأمنية المستمرة التي تواجهها الحكومة السورية والتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
هجوم تدمر: سقوط ضحايا أمريكيين
وقع الهجوم الأبرز يوم السبت الماضي قرب مدينة تدمر الأثرية بريف حمص، واستهدف دورية مشتركة تضم قوات سورية وأمريكية.
الخسائر: أفادت القيادة العسكرية الأمريكية بمقتل ثلاثة أمريكيين (جنديان ومترجم مدني)، وإصابة جنود آخرين.
منفذ الهجوم: أعلنت وزارة الداخلية السورية أن منفذ الهجوم هو مسلح منفرد ينتمي إلى تنظيم داعش وتمّ القضاء عليه لاحقاً وكشفت التحقيقات السورية أن منفذ الهجوم كان عنصر أمن تابعاً لوزارة الداخلية.
الولايات المتحدة: توعّد الرئيس الأمريكي برد “صارم جداً” على الهجوم، مؤكداً أنه عمل إرهابي نفذه داعش.
سوريا: أطلقت السلطات السورية عملية أمنية وعسكرية واسعة في ريف حمص والبادية ضد خلايا التنظيم، وأكدت التزامها بمكافحة الإرهاب.
داعش يتبنى هجوم معرة النعمان في إدلب
في تطور منفصل، تبنى تنظيم داعش يوم الاثنين هجوماً استهدف عناصر من الأمن السوري في منطقة معرة النعمان بريف إدلب.
الضحايا: أسفر الهجوم عن مقتل أربعة عناصر من إدارة أمن الطرق التابعة لوزارة الداخلية السورية وإصابة عنصر خامس، إثر استهداف دوريتهم بالأسلحة الرشاشة.
إعلان المسؤولية: أكد تنظيم داعش في بيان رسمي مسؤوليته عن هذا الهجوم، مشيراً إلى أن مقاتليه “عادوا سالمين”.
التوقيت والموقع: يأتي هذا الهجوم بعد أيام قليلة من حادثة تدمر، ما يبرز استمرار نشاط التنظيم وقدرته على شنّ هجمات في مناطق تابعة لسيطرة الحكومة السورية، مستغلاً الثغرات الأمنية على طول الطريق الدولي بين دمشق وحلب.
وتؤكد هذه الهجمات المزدوجة أن تنظيم داعش لا يزال يشكل تهديداً أمنيّاً فعّالاً في سوريا، خاصة في البادية الشاسعة التي ينشط فيها عناصره بشكل متقطع، مما يضع تحدّياً كبيراً أمام جهود الحكومة السورية والتحالف الدولي لضمان الاستقرار.
الآثار الجيوسياسية لهجمات داعش على مستقبل الوجود الأمريكي في سوريا
إن الهجمات الأخيرة التي نفذها تنظيم داعش في تدمر (واستهدفت دورية مشتركة) وفي معرة النعمان، تحمل دلالات جيوسياسية عميقة تؤثر مباشرة على مستقبل الاستراتيجية والوجود العسكري للولايات المتحدة في سوريا والمنطقة عموماً.
إعادة تأكيد ضرورة الوجود الأمريكي
تضع هذه الهجمات القيادة الأمريكية أمام خيار صعب.
حجة البقاء مقتل جنود أمريكيين على يد التنظيم الإرهابي يمثل دليلاً قاطعاً على أن مهمة مكافحة الإرهاب لم تكتمل بعد. هذا يعزز حجة القيادة العسكرية “منع عودة داعش” وحماية المصالح الأمريكية.
زيادة المخاطر: في الوقت نفسه، فإن مقتل أفراد أمريكيين يزيد من الضغوط الداخلية (خاصة في سنوات الانتخابات) لسحب القوات، تحت شعار “حماية أبنائنا من صراعات لا تنتهي”.
النتيجة المرجحة قد تلجأ واشنطن إلى تعزيز الحماية لقواتها وزيادة الدعم الاستخباري والطائرات المسيرة، بدلاً من الانسحاب الفوري، مع الإبقاء على العدد الحالي أو حتى زيادته بشكل تكتيكي ومؤقت.
ضرب الثقة في الشراكات المحلية
كشف الاختراق الأمني في تدمر يهدد موثوقية الشركاء المحليين الذين تعتمد عليهم واشنطن.
شركاء الحكومة السورية بما أن منفذ الهجوم كان عنصراً أمنياً رسمياً، فإن هذا يزرع الشك العميق حول مدى قدرة الحكومة السورية على ضبط أجهزتها والتزامها بمكافحة الإرهاب فعلاً. قد يؤدي ذلك إلى تقييد التعاون وتخفيض مستوى مشاركة القوات الأمريكية مع هذه الأطراف، خوفاً من “الخيانة الداخلية”.
شركاء قسد (قوات سوريا الديمقراطية) في الشمال الشرقي: رغم أن الهجوم لم يستهدفهم بشكل مباشر، فإن تعزيز داعش لنفوذه في أي مكان بسوريا يضع ضغطاً إضافياً على قسد لتعزيز أمنها.
إحياء الجدل حول “التهديدات المتعددة”
الهجمات تذكّر الإدارة الأمريكية بأن التهديد الأمني في سوريا متعدد الأوجه.
تغيير الأولويات: بدلاً من التركيز حصراً على مواجهة القوات المدعومة من إيران أو التنافس مع روسيا، تضطر واشنطن لإعادة تخصيص الموارد لـ المهمة الأساسية: داعش.
استغلال القوى الأخرى: تستغل كل من روسيا وإيران هذا التطور للضغط على واشنطن، مدعيتين أن الوجود الأمريكي غير فعال في مكافحة الإرهاب، وأنهما “الضامن الحقيقي” للاستقرار.
الحاجة إلى التنسيق: قد يضطر الأمر الولايات المتحدة وروسيا إلى زيادة “تنسيق فك الاشتباك بشكل غير مباشر لتجنب وقوع حوادث جديدة، أو للتعامل مع الخلايا العابرة للمناطق.
الردع والتصعيد الإقليمي
الهجوم يرفع مستوى التوتر ويدفع نحو رد عسكري أمريكي وشيك.
الرد الانتقامي: من المرجح جداً أن تنفذ الولايات المتحدة ضربات جوية أو عمليات خاصة ضد قيادات وخلايا داعش في البادية كرد على مقتل جنودها، وهو ما قد يزيد من التصعيد في المنطقة.
قواعد الاشتباك: قد تراجع القوات الأمريكية قواعد الاشتباك الخاصة بها في سوريا لتصبح أكثر حزماً وسرعة في الرد على أي تحركات مشبوهة.
خلاصة القول: هذه الهجمات لم تقتل جنوداً فحسب، بل قتلت اليقين حول الاستقرار الإقليمي. لقد ألقت بظلال من الشك على أي انسحاب وشيك، وأجبرت واشنطن على مواجهة حقيقة أن الفراغ الأمني الذي قد يتركه غيابها سيملأه فوراً تنظيم متطرف لا يزال يحلم بالعودة.