
من أسباب العداء الإسرائيلي لسوريا الجديدة
كانت إسرائيل من أكبر الخاسرين بسقوط نظام الأسد، فهي جرّبته لخمسين عاماً وكان أداؤه عمليّاً على الأرض ممتازاً لها، فهو لم يُبرم سلاماً يستعيد به مرتفعات الجولان أسوةً بما حصل في مصر التي استعادت سيناء المحتلة عام 1967، ولم يُهدّد الجبهة الشمالية لإسرائيل، وكان يُجرّم أيّ مقاومةٍ لها. وفي ذروة التخادم الإسرائيلي – الأمريكي في المنطقة مع نظام ولاية الفقيه، كان نظام الأسد مثالاً جيّداً لهذا التخادم، وكان يُحقّق مصالح إسرائيل وإيران وقتاً واحداً، ورعت روسيا والولايات المتحدة ذلك التخادم في سوريا بحربٍ رماديّةٍ على مبدأ جزّ العشب، حيث كانت إسرائيل تملك كلّ الحرية في استهداف التموضعات العسكرية الإيرانية في سوريا، والتي تراها تُشكّل خطراً عليها.
حتى بعد هجوم المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر، ودخول حزب الله اللبناني وجماعة الحوثي في حربٍ مع إسرائيل، لم تتدخل قواتٌ من ميليشيات الأسد بما كان يُعرف حينها وحدة الساحات أو الجبهات، ولم تُستخدم الأراضي السورية منصّةً للهجوم على إسرائيل عبر ميليشيات فيلق القدس المتواجدة بكثافةٍ في سوريا، وهو ما يؤكد أن إسرائيل كانت ترى في نظام الأسد، حتى يوم سقوطه، أفضل الخيارات المتاحة، إذ إن أيّ بديلٍ له لا يمكن معرفة ما سيحدث لإسرائيل بعده، مع أن بديل الفوضى والميليشيات هو الأسوأ على إسرائيل في حال سقوط الأسد وعدم ظهور سلطةٍ مركزيةٍ قويّةٍ.
بعد الفشل الاستخباراتي الهائل للمخابرات الإسرائيلية بتوقّع هجوم 7 أكتوبر وتقدير قوّته، فشلت تلك الأجهزة بتقدير قوّة قوى الثورة السورية، وبالذات هيئة تحرير الشام، ومعرفة نواياها بجدّية هجومها على قوات النظام وبدء معركة ردع العدوان. أيضاً فشلت إسرائيل بتقدير حجم الهشاشة الكبير لميليشيا الأسد والقوى المساندة له، بل وتقدير مدى الكفاءة والقدرة الروسية على التدخل لحمايته. وعندما بدأت قوى الثورة حربها الخاطفة على ميليشيا النظام، سقط الأسد في مدّةٍ لم يتمكّن الكيان الإسرائيلي وحلفاؤه من فعل أيّ شيءٍ، إذ إن سرعة الانهيار فاجأت الجميع وأربكت صياغة أيّ خططٍ لتلافي سقوط دمشق في يد الشعب السوري. أيضاً كان سوء التقدير الإسرائيلي لا يشكّ أبداً في خوف تركيا من تحدّي روسيا وإيران في سوريا وقلب الطاولة عليهما.
لماذا الخسارة الإسرائيلية استراتيجيّةٌ بسقوط الأسد؟
الجواب بسيطٌ ويعرفه الجميع، وهو أن استراتيجية إسرائيل في البقاء كقوةٍ متفوّقةٍ على جيرانها العرب لا يعتمد فقط على بناء قدراتٍ عسكريةٍ تؤمّن ذلك التفوّق، بل يحب العمل أيضاً على إضعاف الجوار العربي السني عبر عدّة أدواتٍ، أهمّها أن يحكم سوريا مثلاً نظامٌ أقلويٌّ طائفيٌّ يرى أن لاستمرار بقائه عليه تقويض أيّ مكامن قوّةٍ أو نهوضٍ في مجتمع الأغلبية السنيّة، واعتبار إسرائيل حليفاً له غير معلنٍ، لأن المصالح تتلاقى على الهدف نفسه.
وبعد الجهود الإسرائيلية في إقناع الولايات المتحدة بأن يكون عراق صدام حسين هو الهدف التالي للغزو الأمريكي في المنطقة بعد أفغانستان، وذلك لاستعادة الهيبة المفقودة للولايات المتحدة بعد ضربات الحادي عشر من أيلول، والتي قام بها عربٌ سنّةٌ.
قد يكون المخطط الإسرائيلي – الأمريكي وقتها إزالة الجدارين السنيّين المحيطين بإيران غرباً وشرقاً للاندفاع إلى المنطقة وتشكيل هلالٍ شيعيٍّ يسيطر على المنطقة العربية السنيّة ويُمعن في إضعافها، وهو ما حصل بالفعل بعد غزو العراق. ولم يكن في حسبان المخططين الأمريكيين والإسرائيليين ألا يتم الوصول إلى تقاسمٍ للنفوذ في المنطقة، حيث فشل التخادم بينهما في الوصول إلى ذلك التقاسم، ويشتبك الآن الفريقان في حربٍ ضروسٍ لم تنتهِ بعد.
يدرك قادة الكيان، بل يوقنون من ذلك ويُعبّرون عنه علناً، أن سوريا لا تُشكّل خطراً أمنيّاً على إسرائيل في المدى القريب، لكنها ستشكّل خطراً استراتيجيّاً على إسرائيل في المديات المتوسطة والبعيدة. وتتحجّج إسرائيل بأن للقيادة السورية خلفيّةً جهاديّةً إسلاميّةً، وهي ستعمل بالتدريج على أسلمة المجتمع والدولة، وفي الحقيقة هذا التخوّف المزعوم يُلاقي طرحه عدم إحراجٍ لها، لكنها في الواقع ستعادي أيّ حكمٍ، ولو علمانيّاً ديمقراطيّاً، ينبع من الأغلبية العربية السنيّة، لأنه سيكون قويّاً ويعتبر الحاضنة سنده الأقوى، وهو غير مستعدٍّ إلا أن يُعبّر عمّا تؤمن به تلك الحاضنة اتّجاه إسرائيل، العدو الأبدي لشعوب المنطقة.
أيضاً الخوف الإسرائيلي من الحالة السورية، حيث ستصبح نموذجاً يمكن تعميمه، فلن يجد الغرب غضاضةً من التعاطي، بل واحتضان، أيّ حركةٍ إسلاميّةٍ تصل للحكم بالقوّة العسكرية أو غيرها طالما أن أجندتها وطنيّةٌ وغير مستعدّةٍ لعبور الحدود.
وثمّة خوفٌ عميقٌ يتفاعل داخل الكيان المحتل، وهو أنه يشعر بسقوط حظوته نسبيّاً عند الأمريكيين، وتخشى في المستقبل من تحوّله لعبء على داعميها، وقد بدا ذلك واضحاً في تداعيات حرب غزّة على الصعيد الدولي (دولاً ورأياً عامّاً).
إسرائيل دولةٌ وظيفيّةٌ أنشأها النظام الدولي الغربي المنتصر في الحرب العالمية الأولى في منطقةٍ تملك كلّ مقومات النهوض مجدّداً، بمعنى إجهاض قيام سلطنةٍ عربيّةٍ ثانيةٍ كالسلطنة العثمانية التي قضوا عليها وأرهقتهم لقرونٍ.
والدول الوظيفيّة لا بدّ أن تنتهي يوماً ما الوظيفة التي خُلقت لأجلها، لأن ما كان سائداً قبل قرنٍ لا يشبه ما سيسود في المستقبل.
يصطدم الغرب في معركة كسر عظمٍ مع الإمبراطوريّة الأوروأوراسيّة الأرثوذكسيّة الروسيّة، ومعركةٍ أخرى مفتوحةٍ حاليّاً مع الإسلام الشيعي تدور رحاها في المنطقة، ويخوض الغرب حرباً باردةً مع زعامة الشرق الشيوعيّة الصينيّة الجديدة، أو الكونفوشوسيّة الشرقيّة المناهضة للغرب. ويبدو أن الحرب العسكرية حتميّةٌ، لأن الغرب أسقط السوفييت بالاقتصاد وليس بالسلاح، فيما لا يبدو أن ذلك ممكناً مع الصين العملاق الاقتصادي الدولي.
لذلك لم يبقَ للغرب من حليفٍ في معاركه الثلاث إلا السنّة، بعربهم وأتراكهم، في المنطقة كحليفٍ استراتيجيٍّ. وهذه الدول السنيّة إمّا حليفٌ قديمٌ للغرب مثل تركيا العضو في الناتو، أو المملكة العربيّة السعوديّة وشقيقاتها الأصغر منها، والتي على علاقةٍ طيّبةٍ مع الأمريكيين تُوّجت مؤخراً بتوقيع اتفاقياتٍ عسكريّةٍ هامّةٍ، وقّعها وليّ العهد السعودي في زيارته الماضية لواشنطن. وسوريا هي عنصر الربط الجغرافي والديمغرافي لهذا المحور الشاقولي الجنيني السني، والذي أطاح من سوريا بالهلال الشيعي الأفقي.
لذلك الخشية الإسرائيلية من هذا التحالف السني مع الأمريكيين، والذي يسحب منها دورها الرئيس، ولا تُخفي إسرائيل عداءها لسوريا وتركيا وغيرهما من العرب والسنّة في المنطقة.
لذلك كان إسقاط الأسد كارثةً على إسرائيل، وبروز أن أقصى اليمين الجهادي ممكنٌ أن يتصالح ويتحالف مع الغرب، وسوريا هي النموذج والشاهد.