ذَرْواً في الرّيح

0

خُلقتْ زهرة.. نشرت عطرها ففاض الحب والحنان، وسبغت على الكون بهجة وسعادة، صارت ربّة فغارت الذكورية وحاصرتها، وعقت فضلها الإنساني “ذرْواً في الرّيح”…

إليها بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة 25 تشرين الثاني/نوفمبر

أمّاه.. انتظري.. لم يقل أين نحن، وغادر مسرعاً دون أن يلتفت نحوي أو يردّ بكلمة. كتمتُ شقاء عمر، ودفنت غصة…، وحبست دمعة قهر كي لا تفضح معاناة خبّأتها بين جوانحي. فماذا تفعل عجوز في كرسي متحرك؟ يدان ضعيفتان، ورجلان مشلولتان، ونفس قلقلة، وفكر يغزل خيوط الماضي.. يلفها كرة ويدحرجها مع زفرة آهٍ!…

أقبلت، من آخر الردهة، شابة ممشوقة القامة.. بسمتها تضيء وجهاً كبدر نيسان، وعينان تسكنهما سماء صافية.. أهلاً وسهلاً جدّتي.. تلمّست رأسي، وطبطبت عليّ.. نحن أسرتك.. ستكونين بخير ودفعت بي إلى غرفة تطلّ على حديقة.. هذه مخصصة لك، وساعدتني لأنتقل إلى السرير. كانت حنجرتي محتقنة.. لم أستطع الكلام وأشرت أن تغلق الباب خلفها. لماذا لم أكتشف قساوة قلبه وقد عرف محبة الأبناء؟ هل كنت ساذجة ويتذاكى عليّ طوال تلك السنين؟ كيف رمى كلّ ما فعلت لأصنع منه شاباً في البحر؟ فتفجّرت عيناي بوابل بلّل وجنتيّ وتسرب إلى ذقني، وتساقطت قطراته على ثيابي…

لم تغب أكثر من ربع الساعة.. وجدتني مرهقة.. رجتني أن أعتبرها ابنة ومسحت وجهي.. ماذا تريدين…؟ أنا في خدمتك…

– بارككِ الربّ يابنتي.. اتركي زجاجة الماء قربي وإن احتجت شيئاً أناديكِ…

وبعد العشاء جاءتني تحمل وردة، وضعتها في كأس على حافة النافذة.. جلست قربي على السرير.. أمسكت راحتي.. ولمعت عيناها.. هل أخبرتك إنّك تشبهين أمّي؟ لم أشعر كيف امتدت يدي ولمست شعرها المسترسل.. قرّبتها إلي.. ضممتها.. ارتاحت على صدري.. وكيف هي…؟

– بخير، لا ترتاح حتى نعود إليها فتشرق باسمة…

ربّتُ على كتفها، ودعوت لها ولأسرتها. سألتني عمّن أحضرني، فقصصت عليها كيف فقدتُ رفيق دربي في حادث سير، وربّيته وحيداً بمشقة وعسف مريرين، نظّفت البيوت، وغسلت الصحون في المطاعم، واشتغلت بالإبرة والسّنّارة بالأجرة ليالٍ كثيرة، وكم سهرت عليه مريضاً، ومعه وهو يحضّر دروسه حتى تخرّج في الجامعة.. فرحتُ به عريساً، وسعدت بمداعبة أولاده. كبرتُ…، وضعفت قواي، ولمّا أُصبتُ بالشلل أصبحت حملاً ثقيلاً عليه، أحسست بضيق، ورجوت أن تقصر أيامي لأخفف عنه، ولم يخطر لي أنه سينسى حدبي عليه صغيراً وكبيراً، وما فعلته لأجله ليشتد عوده، وتصلب قناته، ويصبح رجلاً يُشار له…، أركبني بسيارته على أمل النزهة.. وإذ به يكافئني بحملي إلى هنا…

– هوّني عليكِ.. لن تكوني وحيدة.. الجميع عائلتك.. وانصرفت…

مرّ أسبوع.. بدأت أتأقلم مع حياتي الجديدة، وعند مساء يوم هبّت نسماته خفيفة رطبة أخرجتني إلى بهو الدار الفسيح..  حضر النزلاء والعاملون.. شكّلوا حلقة حولي، ومن بينهم برزت تحمل قالب حلوى فيه شمعة.. أشعلتها.. قالت: جدّتي.. عاماً سعيداً، وعمراً مديداً وأدنتها لأطفئها.. تذكّرت زوجي وهداياه…، تخيّلت ولدي يقف أمامي.. لم أعاتبه.. أدرت وجهي عنه.. أطبقت جفنيّ.. تمنّيت لو أنّي أرضعتُه حليب كلبة…

لحظات سعادة غمرتني وهم يصفقون ويغنّون لي.. تناسيت ابني وزوجته وحفيديَّ…، عشت دقائق فرح وصفاء خلتها دهراً بين صحبة تتمثّل فيهم معاني الإنسانية…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني